الحرب تفاقم أزمة الري الطويلة الأمد لمزارعي السودان بقلم.. البشير دهب

يمتد مشروع الجزيرة للري في السودان على نحو 890,000 هكتار، مضخًّا المياه من نهر النيل إلى المزارعين عبر شبكة من القنوات تغذيها سد سنار.
قبل عشرين عامًا، بدأت الحكومة بتحويل التشغيل والصيانة لهذا المشروع وغيره من شبكات الري إلى النظام شبه الخاص واللامركزي. فقدان الموارد والخبرات من الموظفين الحكوميين أدى إلى تدهور نظام المضخات والقنوات، مما ترك عشرات الآلاف من المزارعين يبتكرون حلولاً فردية.
المزارعون الأغنياء قاموا بتركيب مضخات، وغالبيتهم يتجه الآن نحو المضخات الشمسية، لكن الحرب جعلت الوقود وقطع الغيار باهظة الثمن، ما جعل العديد من صغار المزارعين عاجزين عن الزراعة.
محمد أحمد، البالغ من العمر 38 عامًا، يزرع الذرة الرفيعة والعدس والفول على ثلاثة افدنة في ولاية الجزيرة لم تصل المياه لأرضه البالغة 1.2 هكتار في قسم المناقل لأكثر من عام، ويقضي وقته في إزالة الأعشاب، وإصلاح حدود الحقول، وتجهيز الأرض تحسبًا لعودة المياه.
القنوات جافة منذ مايو 2024. يقول أحمد: “انتظرت المياه كما اعتدت، لكن لم يأتِ شيء. فقدنا موسمين كاملين، وفكرت أحيانًا في ترك الزراعة والبحث عن عمل في الخارج.”
أحمد واحد من نحو 4,000 مزارع في قسم مناجيل يواجهون خطر الانهيار. حتى عام 2005، كان مسؤولو المشروع ينظمون مستويات المياه وتدفقها ويشرفون على صيانة المضخات والقنوات الرئيسية.
في عام 2005، تم خصخصة جزئية لتشغيل مشروع الري، ومنح القانون والجمعيات الزراعية الحق في إدارة وصيانة أقسام المشروع، لكنهم يعتمدون بشكل كبير على الدعم الحكومي الفني والمالي والتشغيلي. سحب الدعم الحكومي وتقاعد كثير من الموظفين ذوي الخبرة خلق فراغًا في الصيانة والإشراف، ساهم في تدهور النظام المركزي للري.
إضافة إلى ذلك، انخفضت مستويات المياه في خزان سنار نتيجة الجفاف في السنوات الأخيرة. كما يقول المهندس عبدالله الحاج: “المشكلة اليوم ليست فقط ندرة المياه، بل غياب سلطة تنفيذية منظمة لإدارة التوزيع كما كان سابقًا.”
الآلاف من الفدادين الزراعية فقدت تغطية الري على مدى عشرين عامًا. يحاول أحمد وجيرانه إيجاد حلول، لكن الموارد غائبة. “حاولنا التفكير في حلول، لكن لا يوجد موارد. ببساطة لا توجد مياه لنضخها. الحكومة تواصل الوعد بلا تنفيذ. إذا لم تُعد القنوات، فلن نستطيع الزراعة الموسم القادم.”
في قسم آخر من المشروع، اضطر الطيب جاد المولى لاستخدام مضخة بنزين صغيرة بعد توقف الصيانة المنتظمة للقنوات. في قسم المنسي حيث يزرع الطماطم والقمح تشغيل المضخة يكلفه 60-70 دولارًا يومياً ، ويحتاج لتكرار هذا كل 25 يومًا. “أجلس طوال الليل بجانب المضخة للتأكد من استمرار تدفق المياه. أي انقطاع قد يكلفني الموسم كله.”
على بعد 300 كم جنوبًا، عبد الحفيظ محمد يزرع 25 هكتارًا قرب ضفة النيل في جنوب شندي. فشل نظام الري التقليدي دفعه لتركيب نظام ري شمسي جزئي. “لم يكن هناك خيار آخر. تحملنا مسؤوليات كانت تخص الدولة، مثل تأمين الوقود وقطع الغيار.”
تكلفة مضخات الطاقة الشمسية التي اشتراها محمد تعادل نحو 17,900 دولار، لتغطية نحو 6.3 هكتار. يقول إن النظام وفر عليه تكاليف الوقود المتقلبة، رغم التحديات الجديدة مثل أعطال الألواح أو سرقتها.
مع تدهور شبكات الري في مشروع الجزيرة وولاية نهر النيل، تحول عدد متزايد من المزارعين مثل محمد إلى الطاقة الشمسية. هذا التحول ساعد المزارعين الكبار، لكنه ترك غالبية صغار المزارعين خارج هذه المنظومة، والذين يمثلون نحو ثلاثة أرباع المزارعين في المشروع، وهم يعتمدون على محاصيل أساسية مثل الذرة الرفيعة والقمح والبقوليات.
تواصلت Mongabay مع محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى لكن لم يتم تلقي أي رد عند النشر. الصمت الرسمي يعكس غياب الاهتمام بالعديد من المزارعين المشاركين في هذا التقرير. يقول أحمد: “لقد تُركنا لندير أمورنا بأنفسنا. الحكومة تعد ولكن لا تنفذ.”
بينما يتجه المزارعون الأغنياء لاستخدام المضخات الشمسية لضمان المياه لمحاصيلهم، يواجه صغار المزارعين خيارًا صعباً : مشاهدة حقولهم تجف أو البحث عن بدائل محدودة ومكلفة لإنقاذ محاصيله. الصراع على الري ليس مسألة بقاء وعدالة وقدرة على إعالة الأسر في ظل أزمة ممتدة.
ملاحظة: هذا المقال هو ترجمة لجزء من مقال البشيردهب المنشور أصلاً على منصة Mongabay وقد تم ترجمته إلى العربية لنشره في التايمز نيوز . جميع الحقوق محفوظة للنسخة الأصلية ولـ Mongabay كمصدر.


