من بدع التعليم ..بقلم : “سماح طه”

رغم الجهود المقدرة التي بذلتها سفارة السودان بالقاهرة في تنظيم امتحانات الشهادة السودانية، وهو جهد محل تقدير واسع، إلا أن هذا النجاح لا يعفينا من مواجهة أسئلة أكثر خطورة تتعلق بجوهر العملية التربوية و التعليمية نفسها، خاصة حين تتسلل إليها ممارسات غريبة لا تشبه تقاليد التربية و التعليم في السودان ، بقدر ما تشبه الفوضى.
فأين ميثاق شرف التعليم؟ وأين القيم التي يفترض أن تحكم المؤسسات التربوية و التعليمية ؟ وهل أصبحنا أمام واقع جديد تمتلئ ساحته بالبدع، والتقليعات، والممارسات الدخيلة التي لا تمت لرسالة التعليم الحقيقية بصلة؟
ما الذي يدعو طلاب في إعمار صغيرة إلى المبيت في حرم المدارس؟ ومنذ متى تحولت المؤسسات التعليمية إلى معسكرات إقامة؟ وهل أصبح السعي وراء النجاح وتحصيل النتائج مبرراً لاختراع وسائل شاذة مهما كانت آثارها التربوية والأخلاقية؟
إن التعليم ليس سباقاً أعمى نحو نسب النجاح فقط، وليس مشروعاً إعلانياً يبحث عن الأرقام، وليس ساحة لتجريب كل ما هو غريب تحت شعار التفوق و التميز .
التعليم رسالة أخلاقية قبل أن يكون تحصيلاً أكاديمياً، وميثاق شرف قبل أن يكون منافسة.
أما السؤال الأكثر أهمية، ويجب أن يوجَّه مباشرة إلى الأسر وأولياء الأمور: كيف تقبل الأسرة أن تترك أبناءها في هذه الأعمار الصغيرة يبيتون خارج المنزل تحت أي مبرر؟ وهل فكرت الأسر فعلياً في حجم التنازل التربوي الذي تقدمه حين توافق على ذلك؟
حين يقبل الأب أو الأم بهذا الواقع، فإنهما لا يمنحان فقط إذناً مؤقتاً بالمبيت، بل يرسلان رسالة أعمق: أن المبيت خارج المنزل يمكن أن يصبح أمراً عادياً إذا تم تسويقه بالشكل المناسب.
وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية: إذا قبلت الأسرة اليوم هذا الأمر، فبأي منطق سترفض غداً مبيت الابن في ظروف أخرى؟ وكيف ستُرسم الحدود؟ وكيف سيُغرس الانضباط الأسري؟ وكيف سيظل المنزل هو المركز الأول في وعي الأبناء إذا كانت الأسرة نفسها قد تنازلت عن هذه الفكرة؟
إن القضية هنا ليست مجرد قرار تنظيمي، بل إعادة تشكيل تدريجية لمفاهيم الأبناء تجاه الأسرة، والرقابة، والانتماء، والضوابط الأخلاقية.
التربية ليست فقط إلحاق الأبناء بمؤسسات تحقق نتائج مرتفعة، بل هي قبل ذلك حماية للقيم، وبناء للوعي، وصناعة لإنسان متوازن يعرف معنى الأسرة وحدود الحرية.
المؤسف أن بعض الأسر قد تنجرف وراء بريق النتائج أو شهرة المؤسسات، دون أن تنتبه إلى أنها قد تدفع ثمناً أخلاقياً وتربوياً أكبر بكثير من أي نجاح أكاديمي مؤقت.
وما يزيد المشهد خطورة أن بعض المؤسسات لا تكتفي بهذه البدع، بل تمارس أيضاً أساليب اخري تتمثل في الاستقطاب غير الاخلاقي للطلاب المتفوقين، وتحول التعليم إلى سباق دعائي، لا إلى رسالة تربوية.
حين يحدث ذلك، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما زلنا أمام تعليم؟ أم أمام فوضى ترتدي ثوب التعليم؟
وهنا يتبادر إلى الذهن المثل الشعبي: “القلم ما بزيل بلم” فهل سنصل إلى مرحلة يصبح فيها إصلاح هذا العبث أكثر صعوبة لأن الفوضى نفسها باتت تُسوّق كنجاح؟
إن السعي وراء النجاح يجب ألا ، يكون مدعاة للبدع، ولا مبرراً لهدم القيم، ولا وسيلة لتجاوز الأعراف التربوية.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بالنتائج، بل يُقاس أيضاً بسلامة الوسائل، وبحفظ القيم، وبصناعة إنسان متوازن، لا مجرد طالب يحمل درجات.
ومن هنا، فإننا نناشد السيد السفير والملحق الثقافي بسفارة السودان بالقاهرة بالتدخل العاجل، والتحقيق في هذه الممارسات، وحسم أي تجاوزات تمس شرف العملية التعليمية.
فنجاح السفارة في تنظيم الامتحانات كان محل تقدير، ومن هذا النجاح تنبع الثقة في قدرتها على حماية التعليم نفسه من أي عبث.
فإذا كنا قد نجحنا في تنظيم الامتحانات، فينبغي أيضاً أن ننجح في حماية الطلاب من الفوضى، وصون الأسر من الاختراق، وحفظ ميثاق شرف التعليم من الانهيار.
إن القضية اليوم لم تعد مجرد تجاوزات مدرسية… بل معركة حقيقية بين التعليم كرسالة، وبين التعليم كفوضى.
والسؤال الأهم: هل نملك الشجاعة لإيقاف هذه البدع قبل أن تتحول إلى واقع مقبول؟



