تعويذة دندش… مأزق ما بعد رمضان بقلم… سماح طه

بانقضاء شهر رمضان، تبدأ عادة لحظة التقييم؛ لحظة هادئة يراجع فيها الإعلامي ما قدمه، ويقيس أثره، ويطرح السؤال الأهم: ماذا أضفتُ للمشاهد؟
وبصراحة، وأنا أستعيد ما قُدِّم خلال هذا الموسم، لم أجد مساحة واسعة للحديث عن البرامج التي احترمت وعي الناس، بقدر ما وجدت نفسي متوقفة عند تجربة واحدة تحديدًا: تعويذة دندش.
حاولت، بقدر الإمكان، أن أجد مخرجًا مهنيًا يخفف من قسوة الحكم على التجربة، لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن الزميل دندش أدخل نفسه — طوعًا — في نفق ضيق، يصعب الخروج منه دون مراجعة جادة.
لا خلاف على أن دندش صحفي يمتلك أدواته؛ حضور، وسلاسة، وقدرة على إدارة الحوار. لكن ما حدث في هذا البرنامج يطرح سؤالًا جوهريًا: ماذا تفعل الموهبة حين تُوضع في الاتجاه الخاطئ؟
أكثر ما جعل البرنامج خاوياً، أن غالبية الحلقات افتقرت إلى الإعداد المسبق. كان المشاهد يشعر أن الأسئلة تُطرح في لحظتها، لا كجزء من بناء حوار مدروس، بل أحيانًا كأنها اتهامات مغلفة بالإثارة. وهذا النوع من الطرح لا يصنع حوارًا، بل يخلق ضجيجًا سرعان ما ينتهي دون أثر.
المشكلة لم تكن في حلقة أو اثنتين، بل في خط عام للبرنامج، بدا وكأنه يبحث عن الإثارة أكثر مما يبحث عن الفكرة. فتح المنبر لضيوف يكرسون مفاهيم الخرافة، من حواطة وحسد وسحر، دون تقديم معالجة نقدية حقيقية، جعل المحتوى أقرب إلى إعادة إنتاج الموروث الشعبي في أكثر صوره هشاشة، لا تفكيكه أو مساءلته.
صحيح أن هناك استثناءات، مثل حلقة عزمي عبد الرازق، التي — رغم اختلافي معه — اتسمت بقدر من الموضوعية والوضوح، وعكست احترامًا للمهنة وحرصًا على الظهور بموقف متوازن.
لكن اللحظة الأكثر دلالة جاءت في حلقة الإعلامي سالم الهاشمي، التي يمكن القول إنها نسفت فكرة البرنامج من أساسها، حين رفض حتى الجلوس أمام “الوداعية”. كان ذلك موقفًا واضحًا، لا يحتاج إلى شرح، عبّر فيه عن حد فاصل بين الحوار المهني والانزلاق إلى مساحات لا تليق بالإعلام.
ويزيد من حدة الإشكال أن البرنامج يقدّم نفسه تحت لافتة “المثير للجدل”، وكأن الجدل أصبح هدفًا في حد ذاته، لا نتيجة طبيعية لمحتوى يستحق النقاش. بل إن بعض الأسئلة المطروحة، مثل: “لماذا جمهورك كله بنات؟”، تعكس تنميطًا سطحيًا لا يليق بمستوى النقاش المفترض.
ثم تأتي المفارقة الأوضح: أن يتم تقديم بعض الفقرات، وبعدها يُكتب أو يُقال إنها مجرد تمثيل. هنا يتجلى المعنى كاملًا في المثل السوداني: “الأُضينة دقّو واتعذّر لو”؛ الفعل يتم أولًا، ثم يأتي التبرير لاحقًا.
ويبقى سؤال مباشر لا يحتمل التأجيل:
ما المغزى من فقرة “المشرحة”؟ وما الذي يراد قوله من دسّ السؤال داخل الجثمان؟ هل هي امتداد لفكرة الخرافة التي يكرّسها البرنامج، أم محاولة لصناعة مجاز لم يكتمل بناؤه؟
لأن المشاهد، ببساطة، لم يفهم حتى الآن ماذا تعني هذه الفقرة. هل هي صدمة بصرية؟ أم رسالة رمزية؟ أم مجرد محاولة أخرى لإثارة الدهشة بأي ثمن؟
وكما هو الحال في فقرة التميمة المدسوسة في جيب الضيف، حيث يُعاد تقديم الرمز دون سياق واضح أو معالجة فكرية تفسره، فيتحول من أداة دلالية إلى عنصر غامض يربك المشاهد بدل أن يثري فهمه.
فالمجاز، حين لا يكون واضح المعالم، يفقد قيمته، ويتحول من أداة للتعبير إلى عبء على الفكرة نفسها.
وفي خضم هذا كله، يبرز سؤال لا يقل أهمية: كيف مرّ هذا المحتوى عبر شاشة قناة يفترض أنها تملك أدوات المراجعة؟ كيف لم تتم مساءلة الفكرة قبل بثها، وهي بهذا الوضوح تفتح الباب أمام تكريس الخرافة بدلًا من مناقشتها؟
وحقيقي، وباللغة التي لا تحتمل تجميلًا: يا دندش، ما استخرت خالص. لأن الإعلام ليس مساحة للتجريب المفتوح، ولا منصة للدهشة العابرة، بل مسؤولية مباشرة أمام وعي الناس.
بعد رمضان، لا تبدو المشكلة في حلقة بعينها، بل في الصورة الكلية. صورة برنامج كان يمكن أن يكون إضافة، فاختار أن يكون عبئًا. وهنا تكمن صعوبة الموقف: لأن الخروج من هذا النفق لا يحتاج إلى تبرير، بل إلى مراجعة شجاعة تعيد ترتيب الأولويات.
وفي نهاية القول، دعوني أكون أكثر وضوحًا:
تبًّا لإعلامٍ لا يضع قضايا الناس في هذا المنعطف الخطير نصب عينيه، ولا يملك الشجاعة لمعالجة عيوبنا وتشوهاتنا التي خلّفها هذا الصراع الدائر.
فالإعلام الذي يهرب من واقعه، وينشغل بإثارة عابرة أو خرافة مستهلكة، لا يُسيء إلى نفسه فقط، بل يُسهم في تعميق الأزمة بدلًا من فهمها.


