
إذا فرضنا أن الآراء عبارة عن “منتج” ، فهناك من يميز المنتجات بجودة المكونات وفوائدها ، لا بالشكل والحجم كما يفعل أصحاب الفكر البسيط . وهناك من لا يتمتع حتى بهذا الفكر البسيط ؛ إذ يكفيه فقط أن يتكرر ذلك المنتج أمام ناظريه ليقتنع به ، وهذا هو أسلوب الدعاية المعتمد على “التكرار” ، حيث تجد صورة المنتج في كل مكان ، فبمجرد دخولك المتجر تطلبه تلقائياً دون البحث عن أدنى معلومة عنه .
هذا الأسلوب الأخير يستخدمه البعض في الإعلام ، وبالتحديد “إعلام الضلال” ؛ فمن الطبيعي أن تتكرر المعلومة المغلوطة حتى يصدقها صاحبها قبل الآخرين الذين لا يؤمنون بالدلائل والبراهين . ومن أمثلة ذلك ما يروج له إعلام الهلال بأن فريقهم أفضل من المريخ ، وهي معلومة يصدقها معظم “الهلالاب” للأسف ، بعد أن أقنعوهم بأن كأس الكؤوس الأفريقية -الذي توشح به الأهلي والزمالك قبل المريخ- غير معترف به، وأن “سيكافا” بطولة ضعيفة ، وهم يبحثون عنها حتى آخر نسخة بعشر مشاركات أو أكثر .
إن كل إنسان يعتبر مختصاً في مجاله ، ومهمّاً في مسيرة الحياة ، حتى أصحاب المهن التي قد نعتبرها هامشية ؛ فلهم دورهم الذي سيختل ميزان الحياة إذا غابوا عنه . فالحياة منظومة لا تكتمل إلا بقيام كل فرد بدوره ، فالطائرة أو السفينة قد تتوقف بسبب “مسمار” لا قيمة مادية له ، ولن يحرص على التقاطه شخص إذا وجده ملقى عل قارعة الطريق .
لا شك أن كل شخص في مجاله خبير كما ذكرنا ، ولا يصل الإنسان إلى درجة “الخبير” إلا إذا أصبح قادراً على إتقان عمله و على إيصال المعلومة للناس بالشكل الذي يجعلهم يميزون بين الصواب والخطأ ، والجميل والأجمل . فمثلاً ، طبيب القلب إذا نظر إلى فحوصات المريض واكتشف مشكلة ما ، فلا أظنه يكتم أسبابها بحجة أن المريض لا يفهم في الطب ، على العكس تماما فهو يدرك ما هو الأسلوب الذي يمكنه من شرح المشكلة لتلك “الحبوبة” الطاعنة في السن بالطريقة التي تناسب عقلها ، و هى طريقة تختلف عن ما إذا كان يشرح هذه المشكلة لزميل مختص أو شخص على قدر من الثقافة .
إن الخبراء الحقيقيين يدركون أن أدوات إيصال المعلومة تختلف من شخص لآخر ومن مجتمع لآخر ، وعلى هذا النهج يجب أن يتعامل المعلم ، المهندس ، القانوني ، الاقتصادي ، الإعلامي ، السياسي ، والمثقف . وهنا نؤكد أن الإنسان الذي لا يستطيع إيصال معلوماته إلا لمن هم في مجاله فقط يعتبر فاشلاً وإن حمل أرفع الشهادات الأكاديمية ؛ فالعلم الذي لا يتعدى صاحبه لا فائدة منه للمجتمع . والمضحك المبكي هو ذلك الشخص الذي لم يقنع بأفكاره أهل الاختصاص من حوله ، ومع ذلك يريد إقناع “الشارع” بها!
صحيح أننا قد لا نفهم في صياغة القوانين ، ولكن الخبراء هم الذين يجيزون القوانين التي يقترحها أهل القانون على حسب ما يتقبله المنطق والشارع ؛ فالقانون الذي لا يستند إلى حجج منطقية من المختصين لا يمكن أن يتقبله العامة . ولذلك ، على كل صاحب فكرة أن يمتلك الحجج التي تدعم فكرته ، و أن يكون مستعداً للإجابة عن كل التساؤلات حولها ، وإلا كانت فكرة غير صالحة للقبول .
نحن مجتمع عاطفى أكثر مما نحن عقلانيون ، وعاطفتنا أحياناً تجعلنا نتمسك بعادات وتقاليد قد ينهى عنها الشرع ، ولذلك يجب أن “نُفصّل أنفسنا على مقاس الدين” ولا نحاول “تفصيل الدين على مقاسنا” . فمن الضروري أن تكون المرجعية لكل آرائنا هي ديننا الحنيف الذي يدعو للحجة والمنطق ، ومن منطلق أن “الدين المعاملة”؛ فالرسول عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يقول: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” ، ومن لا أخلاق له فلا دين له ، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده .
وعشت يا مريخ موفور القيم، ناهضاً بالعزة والوحدة والفكر السليم، خفاق العلم .

