عبدالله البدوي… حين تصبح الجودة موقفاً تربوياً بقلم.. سماح طه – التايمز نيوز
رأي

عبدالله البدوي… حين تصبح الجودة موقفاً تربوياً بقلم.. سماح طه

في عالم التعليم الخاص تختلط الأدوار أحياناً، فيصبح التعليم عند البعض مجرد استثمار مالي، بينما يغيب عنه جوهره الحقيقي بوصفه رسالة تربوية قبل أن يكون مشروعاً اقتصادياً. لكن ثمة نماذج تفرض حضورها بهدوء عبر المهنية والالتزام، ومن بين هذه النماذج يبرز الدكتور عبدالله البدوي مدير عام مدارس الجودة.
ما يلفت الانتباه في تجربة البدوي ليس فقط موقعه الإداري على رأس مؤسسة تعليمية، بل طريقته في التفكير في التعليم نفسه. فهو يتعامل مع المدرسة باعتبارها بيئة لصناعة الإنسان قبل أن تكون مكاناً لتلقي المعرفة. وهذه الفلسفة التربوية هي التي تجعل الحديث عن الجودة التعليمية عنده حديثاً عملياً لا شعاراً يرفع في اللافتات.
التعليم عنده منظومة تبدأ بالمعلم المؤهل، وتمر بالبيئة المدرسية المحفزة، وتنتهي بطالب يمتلك أدوات التفكير قبل حشو المعلومات. لذلك فإن حديثه عن الجودة لا يأتي في سياق الترويج المؤسسي، بل باعتباره شرطاً أخلاقياً لأي مشروع تعليمي يحترم نفسه.
وأذكر هنا موقفاً إنسانياً لافتاً جمعني به. حين سألته بصراحة عن جدوى العام الدراسي المستمر، بل وذهبت أبعد من ذلك حين اتهمت – ربما بحدة الصحفي – أصحاب المدارس الخاصة بأنهم يسعون من خلاله إلى مزيد من التكسب. لم ينفعل الرجل ولم يحاول الدفاع بلغة الأرقام، وإنما أجابني بهدوء يشبه يقين المربين.
قال لي إن فكرة العام المستمر ليست مجرد ترتيب إداري للزمن المدرسي، بل محاولة لخلق إيقاع يومي طبيعي للأطفال، خصوصاً أولئك القادمين من مناطق الحرب. وأضاف أن الذهاب اليومي للطفل من وإلى المدرسة يصنع لديه إحساساً بالاستقرار، ويعيد تشكيل ذاكرته بعيداً عن صور الخوف والنزوح.
ثم قال جملة لا تزال عالقة في ذهني:
“ثقي أنني لن أرد أي طالب يدخل مؤسستي في هذه الظروف الراهنة… فأنا مربي وأب قبل كل شيء، والمال يذهب.”
في تلك اللحظة بدا واضحاً أن الرجل لا يتحدث بعقل مدير مؤسسة تعليمية فحسب، بل بقلب مربي يعرف أن المدرسة قد تكون أحياناً آخر ما تبقى للطفل من شكل الحياة الطبيعية.
التجربة التي يعيشها الدكتور عبدالله البدوي في مصر تفتح أمامه بلا شك آفاقاً واسعة للاطلاع على نماذج تعليمية متقدمة، سواء في الإدارة المدرسية أو في تطوير العملية التعليمية. ومثل هذه الخبرات حين تتراكم في عقل تربوي حقيقي يمكن أن تتحول إلى رصيد مهم لأي تجربة تعليمية قادمة في السودان.
والسودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى نماذج من أصحاب المؤسسات التعليمية الخاصة الذين ينظرون إلى التعليم باعتباره مسؤولية اجتماعية ووطنية، لا مجرد مشروع تجاري. فإذا كان في هذا القطاع أمثال عبدالله البدوي، فإننا نستطيع أن نتوقع تجارب تعليمية مختلفة، تجارب تضع الطفل أولاً وتضع الجودة أساساً.
فالتعليم لا ينهض بالمباني وحدها، بل بالضمير الذي يقف خلفها. وعندما ينتصر المربي على التاجر، يمكننا أن نطمئن قليلاً على مستقبل أبنائنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى