“السم البطيء”: التجهيل يهدد هوية “دلقو المحس”.. بقلم ميرغني أبشر
ليس من العجب مطلقاً، ولا يدعو للدهشة المصطنعة، ما حدث في منطقة دلقو المحس شمالي السودان من خطاب كراهية اجتهد في أن يداري عنصريته بحجج اقتصادية وثقافية لا تصمد أمام حاجة الإنسان المُهجر قهراً للحياة، وقد سبق ذلك استبعاد الفريقين الكباشي وإبراهيم جابر عن دفة صنع القرار في حكومة الأمر الواقع في بورتسودان. فها هما حادثتان تتوجان ما آل إليه السودان في ظل سطوة الإسلام السياسي على البلاد وإشعاله هذه المقتلة العبثية التي يتلوى أفق نهايتها قرباً سراب وبعداً يهابش اليقين.
ويجدر التذكير أن هذا التوجه الجهوي كان السبب المباشر في انقسام الإسلام السياسي التاريخي إلى مؤتمرين شعبي: يتزعمه سحن من غرب السودان، ووطني “كذوب” يتباسط على وسائده الحاكمة شماليون. ولا حاجة إلى تطويل القول في ذلك، الذي أضاف لحركات الكفاح المسلح حركة كانت الأكثر إيلاماً، إذ انتهى جميعها المطاف إلى الاصطفاف في صف حكومة الأمر الواقع نكاية بالفصيل الذي خاضت ضده معارك أذاقها فيها الأمرين، وجلبها في عهداً قريب إلى سلام هش في جوبا، لكنها الآن باتت تعاني من ذات الضيم القديم.
هذا السم البطيء الذي يسري في وعي أهل شمال السودان لم يكن غير نتاج تربوي ممنهج، بدأت جرعاته حتى قبل أن تحذف الإنقاذ بالكلية تاريخ السودان القديم الذي يعزز الهوية السودانية المشتركة لكل أقاليم السودان الثقافية. ونحن الآن أحوج مما مضى إلى إبراز هذا المكون المشترك. ولن أذهب في هذه المساحة المحدودة إلى لملمة تاريخنا القديم وشواهده العلمية للبرهنة على وحدة سودان اليوم الثقافية، وإنما سأعمد مباشرة إلى الحدث الذي أثار الناس وأحكي عن الأصول الجنوبية الغربية لقبيل النوبة المحس في الشمال.
أقول: على ضفاف النيل بين الشلالين الثاني والثالث في شمال السودان، تعيش قبيلة المحس بوصفها إحدى أقدم الجماعات النوبية المعروفة تاريخياً. وقد نقلت الدراسات اللغوية والأثرية والجينية خلال العقود الأخيرة البحث من نطاق الروايات المحلية إلى فضاء العلم المقارن، كاشفة صورة مختلفة جذرياً عن التصورات التقليدية.
تتحدث اللغة بوصفها الوثيقة التاريخية الأصدق، إذ يتفق اللغويون اليوم على أن لغة المحس ليست لغة مستقلة، وإنما تمثل لهجة من اللغة المعروفة علمياً باسم Nobiin، وهي الامتداد الحي للغة النوبية القديمة التي كُتبت بها نصوص دينية وإدارية منذ القرن السادس الميلادي. تنتمي هذه اللغة إلى العائلة النيلية الصحراوية، فرع شرق السودان، مجموعة اللغات النوبية. وهنا تظهر النتيجة الحاسمة: التحليل المقارن يثبت أن اللغة النوبية الأم لم تنشأ في وادي النيل نفسه، وإنما في نطاق جغرافي يقع غرب السودان الحالي. اعتمد هذا الاستنتاج على منهج علمي يسمى إعادة بناء الموطن الأصلي، وهو منهج يحدد مكان نشأة اللغة عبر دراسة توزع فروعها الحديثة. وقد بين اللغوي الفرنسي كلود ريلي أن انتشار اللغات النوبية بين وادي النيل ودارفور وجبال النوبة لا يمكن تفسيره إلا بهجرة قديمة من الغرب نحو النيل.
أما الخريطة الزمنية لهجرة النوبيين فتمتد عبر مراحل متعددة. ففي مرحلة ما قبل النيل بين عامي 3000 و1500 قبل الميلاد، تشير إعادة البناء اللغوي إلى وجود جماعات نوبية مبكرة في مناطق السافانا غرب السودان وشرق تشاد وشمال كردفان، حيث كان المجال البيئي أكثر رطوبة قبل التصحر الكبير للصحراء الكبرى. ثم في الهجرة شرقاً بين عامي 1500 و500 قبل الميلاد، ومع التحولات المناخية بدأت مجموعات نوبية بالتحرك نحو وادي النيل بحثاً عن الاستقرار الزراعي، وهو ما تؤيده التغيرات الأثرية المفاجئة في ثقافات شمال السودان. وجاء تشكل نوبيا التاريخية بين عامي 500 قبل الميلاد و500 ميلادية، حيث ظهرت مجتمعات نوبية نيلية مستقرة، وتكونت لاحقاً ممالك نوباتيا والمقرة وعلوة. وفي العصر النوبي المكتوب بين عامي 500 و1400 ميلادية ظهرت اللغة النوبية القديمة المكتوبة، السلف المباشر للغة المحس الحالية، ما يمنح اللغة استمرارية تاريخية نادرة تتجاوز ألف عام. ثم في الهجرات الداخلية بين عامي 1400 و1500 ميلادية، وبعد سقوط الممالك المسيحية، تحركت مجموعات نوبية داخل السودان، وتشكلت الهويات المحلية مثل المحس والدناقلة والسكوت.
أقوى الأدلة لا تأتي من التاريخ السياسي، وإنما من بنية اللغة نفسها. فعند مقارنة لغة المحس بلغات نوبية في جبال النوبة ودارفور، تظهر تطابقات منتظمة في المفردات الأساسية. فكلمة الماء في المحسية تُنطق “issi” وهي ذاتها في اللغات النوبية الغربية، والنار “tir” تتطابق تماماً، والرأس “uru” يرد بنفس الصوت، والفعل “أكل” ينطق “ka” في كلا الفرعين. هذا التشابه لا يفسر بالاقتراض الثقافي، لأن الكلمات الأساسية كالماء والنار والجسد والأفعال الأولية نادراً ما تستعار بين الشعوب. يعتمد العلماء هنا على مبدأ التطابق الصوتي المنتظم بين اللغات ذات الأصل الواحد.
والضمائر هي الدليل الذي لا يكذب، إذ إنها أبطأ عناصر اللغة تغيراً عبر الزمن، ولذلك تعد دليلاً قاطعاً على القرابة اللغوية. فـ”أنا” في المحسية “ai” تطابق “ay” في لغات جبال النوبة، و”أنت” “ir” تطابق “ir”، و”نحن” “in” تطابق “in”. هذا التطابق في الضمائر يشير إلى أصل لغوي مشترك عميق يعود لآلاف السنين، وليس إلى تواصل حديث.
إن وجود لغات نوبية خارج وادي النيل، خصوصاً في دارفور وجبال النوبة، يمثل لغزاً لا يمكن حله إلا بافتراض أن الموطن الأول للنوبيين كان غربياً. ومن هنا ظهر النموذج الأكاديمي الحديث لنموذج الأصل الغربي للنوبيين، الذي يقر بأن جماعات نوبية تحركت من السافانا الأفريقية نحو النيل، حيث تطورت لاحقاً الحضارة النوبية النيلية.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن نوبيا لم تكن منطقة معزولة، وإنما ممراً حضارياً بين أفريقيا الداخلية والساحل الصحراوي ومصر والبحر المتوسط. أما الدراسات الجينية الحديثة فتظهر أن النوبيين، ومنهم المحس، يمثلون استمرارية سكانية قديمة في وادي النيل مع روابط وراثية واضحة بشعوب السودان الأوسط وشرق أفريقيا، ما يؤكد طبيعتهم الأفريقية المركبة.
تكشف الصورة العلمية الكاملة أن الهوية النوبية ليست هوية جغرافية ضيقة مرتبطة بالشمال فقط، وإنما نتاج تفاعل طويل بين الصحراء والسافانا ووادي النيل وطرق التجارة الأفريقية القديمة. وبذلك يصبح المحس مثالاً حياً لاستمرار حضاري ولغوي يمتد آلاف السنين، حيث بقيت اللغة، أكثر من أي أثر آخر، شاهداً على رحلة الإنسان الأفريقي من الغرب إلى النهر.
وأخيراً نجد أن هذه الحرب تمضي سراعاً نحو شرخ قد يكون الأوان قد فات لرتقه ما لم يسارع المجتمع الدولي بعد أن عجزنا في الداخل، إلى التدخل العاجل لإنقاذ ما تبقى من كرامة الإنسان السوداني التي مرغ الإسلام السياسي وجه إنسانه في حرب إهدار الكرامة العبثية هذه.


