عائشة الماجدي… حلاق الجامعة.. بقلم _ “سماح طه”

يُذكر أن حمودة العركي، الشهير بـ”حلاق الجامعة”، كان واحداً من ظرفاء أم درمان الذين لا تنساهم الذاكرة الجمعية بسهولة. عمل حلاقاً بجامعة الخرطوم، لكنه كان مولعاً بالكلمات الكبيرة والمصطلحات العلمية الرنانة، يلتقطها من أفواه الطلاب والأساتذة ثم يعيد استخدامها بثقة مذهلة، حتى ظن أحياناً أنه جزء من الوسط الأكاديمي نفسه.
ويُحكى أنه ذات يوم كان يحلق لطلاب من كلية الطب وهم يراجعون دروسهم استعداداً لامتحانات السنة الخامسة، فظل يغالطهم في المعلومات الطبية ويجادلهم بثقة كاملة، حتى سأله أحد الطلاب ضاحكاً: ـ “إنت بتقرا معانا يا عم حمودة؟” فرد فوراً: ـ “لا… لكن أنا بحلق ليكم كلكم وعارف الجوة روسينكم ديل.”
هذه الحكاية عادت إلى ذهني وأنا أتابع حديث الزميلة عائشة الماجدي عن “تجربتها الصحفية العظيمة”.
فالزميلة قالت إنها امتحنت القيد الصحفي في العام 2018، أي بحسب حساباتها فهي تمارس المهنة منذ ثماني سنوات، لكن الحقيقة أن العام 2018 ذاته لم يشهد أصلاً انعقاد امتحان قيد صحفي، بل إن آخر امتحان للقيد الصحفي كان في أغسطس 2017، قبل أن تبدأ التحولات السياسية والحراك الثوري الذي أوقف كثيراً من الأعمال والأنشطة. إلا إذا كانت الأستاذة قد امتحنت القيد وحدها واستلمته “تسليم مفتاح”.
وإذا خصمنا من هذه السنوات الثمان أربع سنوات قضت فيها الحرب على الأخضر واليابس وتعطلت خلالها الصحف والمؤسسات الإعلامية، يتبقى لنا فعلياً من تجربة الماجدي أربع سنوات فقط من الممارسة المهنية.
ومع ذلك استضافها الزميل دندش منذ أكثر من ثلاث سنوات وهي تتحدث بثقة كبيرة عن تجربة صحفية ضخمة، وعن عملها في عدة صحف، وعن انتقالها السريع إلى كتابة العمود الصحفي، وكأننا أمام مسيرة ممتدة لعقود.
ويظل السؤال المنطقي والبسيط هنا: أين هذه التجربة؟ وفي أي المؤسسات الصحفية؟ أين التقارير والتحقيقات والخبطات الصحفية والأخبار العاجلة؟ أين جري المؤتمرات الصحفية واللهاث خلف التفاصيل؟ أين السهر في صالات الأخبار؟ أين القصص التي يتندر بها الزملاء ويتذكرون أصحابها؟
فالصحافة ليست كلمات كبيرة، ولا وجاهة اجتماعية، ولا ظهوراً متكرراً في البرامج التلفزيونية. الصحافة تعب وتدرج طويل داخل صالات التحرير.
ثم جاءت الحكاية الأخرى التي تستحق التوقف.
فالزميلة تحدثت بفخر عن أنها طلبت من والي البحر الأحمر مقابلة الصحفيين، وقالت إنها جاءت “بطريقة ممنهجة ومؤسسية”، وإن الوالي استجاب فوراً.
طيب… يا للعجب!
إذا كان الوالي يستطيع مقابلة الصحفيين بهذه السهولة، فلماذا لم يقابلهم إلا عبرك؟ وهل أصبحت وظيفة الصحفي اليوم هي لعب دور الوسيط بين المسؤول والصحفيين؟ وهل نحن أمام نوع جديد من الصحافة لا نعرفه؟
بصراحة نحن في زمن “البدع”.
فالصحافة لم تُخلق لتكون مكتب تنسيق مواعيد للمسؤولين، ولم توجد لعكس الإنجازات الرسمية والتقاط الصور التذكارية. الصحافة سلطة رابعة.
وهنا تكمن الأزمة الحقيقية.
فالصحافة لم تُخلق لتكون مجرد منصة لتلقي المعلومات الرسمية من المسؤولين، ولم تنشأ لعكس الإنجازات الحكومية كما هي. الصحفي في تعريفه المهني هو “كلب حراسة” للمجتمع، Watchdog journalism حسب المصطلح الإنجليزي الذي راج في القرن العشرين، والصحافة سلطة رابعة، وظيفتها أن تسأل وتفتش وتراجع وتكشف جوانب القصور قبل أن تكتفي بنقل الرواية الرسمية.
المعلومة التي يمنحها المسؤول ليست نهاية العمل الصحفي بل بدايته.
فالخبر، والتقرير، والتحقيق، والحوار، والعمل الميداني، كلها أدوات تصنع الصحفي الحقيقي، لا عدد اللقاءات مع المسؤولين ولا الصور التذكارية ولا الظهور التلفزيوني.
ولهذا يتساءل كثيرون: أين هي التجربة التي يُبنى عليها كل هذا اليقين؟
فالصحفي الحقيقي ليس موظف علاقات عامة، بل شخص يسأل ويبحث ويفتش ويستقصي ويقترب من مناطق الخلل لا من موائد الإفطار والولائم.
ثم جاءت الطرفة الأخرى حين استخدمت الزميلة مصطلح “العدمية” وهي تتحدث عن الصحفي “المعدم”، دون أن تنتبه إلى أن العدمية مصطلح فلسفي لا علاقة له بالفقر المادي، بل يرتبط بإنكار القيم المطلقة والتشكيك في الحقائق، كما جاء عند نيتشه.
وهنا أيضاً حضرت روح حمودة العركي؛ حب المصطلحات والتحزلق بها أكثر من فهمها.
وفي ذات الحلقة تحدثت الزميلة عن أنها تتحرك في “هامش حريات”.
والحقيقة أنني استغربت لهذا الحديث كثيراً.
لا أدري تحديداً أين هي المؤسسة الصحفية التي تحتاجين فيها إلى “هامش حرية” لممارسة ما تقولين إنه عمل صحفي؟
أين التحقيقات التي اصطدمت بالسلطة؟ أين التقارير التي كشفت القصور؟ أين الأخبار التي سببت الإزعاج للمسؤولين؟ أين الملفات التي احتاجت فعلاً إلى مساحة حرية وانتزاع حق الوصول للمعلومة؟
فالصحفي يحتاج إلى هامش الحرية حين يقترب من المناطق الخطرة، حين يكتب ما لا يراد له أن يُكتب، حين يفتح الملفات المغلقة، حين يلاحق الفساد أو يكشف التقصير أو ينقل الحقيقة كما هي.
أما إذا كانت المسألة مجرد استضافة مسؤولين لاستعراض الإنجازات الرسمية، أو تنظيم لقاءات ودية معهم، فهذه لا تحتاج إلى “هامش حريات” بقدر ما تحتاج إلى علاقات عامة جيدة وترتيب مواعيد.
لكن، وللإنصاف، أنا هنا لا ألوم صاحبة التجربة المتواضعة وحدها، بل ألوم أيضاً المسؤولين الذين أغلقوا أبوابهم أمام الصحفيين الحقيقيين، ثم فتحوها لمن يجيدون الوجاهة الاجتماعية أكثر من المهنة.
فالصحفيون الحقيقيون دفعوا ثمناً باهظاً لهذه المهنة. اعتُقلوا، وتعرضوا للضرب، وذاقوا صنوف العذاب والخوف والتهديد، وبعضهم “اتعمرت فيهم الطبنجة”، فقط لأنهم حاولوا الوصول إلى الحقيقة.
وهؤلاء الصحفيون “المعدمون والمقطعون” الذين تم الحديث عنهم، هم أنفسهم الذين تمسكوا بالمهنية ولم يتزحزحوا عنها رغم كل شيء.
صبروا على فقدان الوظائف، وعلى انعدام الرواتب، وعلى حملات التشويه والاستهداف، ومع ذلك استمروا في نقل الحقيقة والعمل في أقسى الظروف.
هؤلاء لم يصنعوا ضجيجاً حول أنفسهم، لكن العالم نفسه انتبه لهم.
نالوا التقدير والجوائز العالمية لأن العالم يعرف جيداً حجم تضحياتهم، ويدرك مقدار الجهد الذي بذلوه وهم يعملون وسط الحرب والخطر والانهيار الكامل للمؤسسات.
ولذلك لا يفوتني أن أتقدم بالتهنئة لزملائنا في نقابة الصحفيين السودانيين بمناسبة نيل جائزة اليونسكو لحرية الصحافة، وهي جائزة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت تقديراً لصمود صحفيين عرف العالم كله حجم تضحياتهم ومهنيتهم وسط الحرب والانهيار والخطر اليومي.
ولابد أن تعلم الزميلة أن ما دفعني للكتابة ليس خلافاً شخصياً، بل ذلك الحديث المستفز عن الزملاء الصحفيين، وكأن المسألة فيها “صفقة بالجنبة”.
يا عزيزتي، الصحفيون كما قال الشاعر إسماعيل حسن: “يبدوا الغير علي ذاتهم يقسموا اللقمة بيناتهم.”
نحن أهل مهنة واحدة، نتقاسم الهم والفرح، ونتخاتت، ونسند بعضنا بعضاً في أقسى الظروف.
ولهذا تبقى الصحافة الحقيقية أكبر من الوجاهة، وأعمق من المصطلحات، وأشرف من أن تتحول إلى مجرد منصة علاقات عامة.
ولأن الزميلة أعلنت رغبتها في الاتجاه إلى العمل الدبلوماسي وتحضيرها للماجستير في العلاقات الدولية، فقد بدا الأمر مفهوماً إلى حد بعيد. فالتجربة التي استعرضتها خلال الحلقة أقرب إلى مهارات العلاقات العامة وتنسيق اللقاءات الرسمية منها إلى الصحافة بمعناها المهني المعروف. ولذلك ربما تكون الدبلوماسية مساحة أنسب، خاصة وأن مهارة الوصول إلى المسؤولين وترتيب المقابلات تبدو حاضرة أكثر من مهارة مطاردة الأسئلة الصعبة والملفات الشائكة.
ولا يفوتني أيضاً أن أتقدم بالشكر لمقدمة البرنامج التي أدارت الحلقة بمهنية عالية، وطرحت أسئلة عميقة وبسيطة في الوقت نفسه، لكنها كانت كافية لتكشف حجم التناقضات، وتؤكد للناس أن الظل لا يستقيم إذا كان العود نفسه أعوج.
ولمن فاته التقاط ما أعنيه، أنصحه بمشاهدة فيلم مرجان أحمد مرجان للفنان عادل إمام، وتحديداً مشهد تدشين ديوان الشعر “الحلزونة”.
أعتقد أن المشهد وحده كفيل بشرح الفكرة كاملة، دون الحاجة إلى كثير من الكلام.



