محمد عليش.. حين ينتصر المسرح السوداني على الحرب والشتات ..كتبت “سماح طه”

وسط هذا الركام الكبير الذي خلفته الحرب، الدائرة الان… وبين مشاهد النزوح والاغتراب والخذلان، يظل الفن واحدًا من الأفعا القليلة القادرة على إعادة الروح إلى الانسان السوداني ، وكأن الفنانين السودانيين يصرون في كل مرة على أن يرسلوا لنا رسالة تقول: إن الحياة ما زالت ممكنة، وإن الإبداع لا يموت حتى في أقسى الظروف.
في هذه المرة جاء الخبر من المسرح، حيث تلقى المخرج والفنان المسرحي محمد عليش إخطارًا من إدارة مهرجان جرش باختيار عرضه المسرحي “بالروج الأحمر” للمشاركة في مهرجان المونودراما العربي الرابع ضمن فعاليات مهرجان جرش للثقافة والفنون.
وربما لا يبدو الخبر عاديًا بالنسبة لمن يعرف حجم المعاناة التي يعيشها المسرحيون السودانيون اليوم، فالمسرح من أكثر الفنون التي تأثرت بالحرب، لأن خسارته لا تتعلق بالمكان فقط، بل بالجمهور والذاكرة والروح الجماعية التي تصنع العرض المسرحي. ومع ذلك يواصل الفنانون المسرحيون محاولاتهم المستمرة لصناعة حياة جديدة فوق هذا الخراب.
وقد كنت واحدة من الذين حضروا عرض “بالروج الأحمر” سابقًا ضمن فعاليات ، وكان واضحًا منذ الوهلة الأولى أن العمل يحمل مشروعًا فكريًا وإنسانيًا يتجاوز حدود الفرجة التقليدية.
المسرحية، التي تمتد لـ38 دقيقة، تدور حول خبيرة تجميل تتحول من امرأة تمارس مهنتها اليومية إلى شخصية تطرح أسئلة وجودية عميقة حول الجمال والقبح والحرية والقيود الاجتماعية المفروضة على النساء. ومن خلال حكايات الزبونات وتجاربهن المختلفة، يكشف العرض عن حجم الألم الذي تعيشه النساء داخل مجتمعات لا تزال تنظر إليهن باعتبارهن مجرد وجوه يجب تزيينها، لا أرواحًا تستحق الحياة الكاملة.
“بالروج الأحمر” لا يتحدث عن المكياج بقدر ما يتحدث عن الأقنعة. فالقبح الحقيقي، كما يقول العرض، لا يمكن إخفاؤه بمساحيق التجميل، لأن المشكلة ليست في الوجوه بل في الدواخل الإنسانية المشوهه بالعادات القاسية والنظرات التقليدية والانتهاكات المستمرة، وعلى رأسها الزواج المبكر وقمع حرية المرأة.
وقد نجح محمد عليش في تقديم هذه الفكرة عبر معالجة بصرية بسيطة لكنها ذكية، حيث اعتمدت الصورة المشهدية المسرحية على مرآة كبيرة بإضاءة متحركة، وبعض الأدراج والأرفف وشماعة الملابس، بينما بدت الخلفية المصنوعة من المناديل الورقية المعلقة بعشوائية وكأنها تعكس هشاشة العالم الذي تعيشه البطلة، عالم يبدو مرتبًا من الخارج لكنه قابل للتمزق والانهيار في أي لحظة.
مما يميز العرض أيضًا أنه لا يقدم إجابات جاهزة، بل يترك المشاهد أمام سؤال مفتوح ومؤلم: من نحن حين تسقط الأقنعة؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون جميلًا من الخارج بينما يحمل كل هذا القبح في داخله؟
اختيار “بالروج الأحمر” للمشاركة في مهرجان عربي مهم لا يمثل نجاحًا شخصيًا للفنان محمد عليش فقط، بل يمثل انتصارًا صغيرًا للمسرح السوداني كله، ذلك المسرح الذي يواصل مقاومة الحرب بالنص والصوت والضوء ، مؤكدًا أن الفن الحقيقي يستطيع دائمًا أن يجد طريقه نحو الحياة مهما اشتدت العتمة.



