هذا ليس فنًا… هذا بث مباشر للسقوط .. بقلم “سماح طه” – التايمز نيوز
رأي

هذا ليس فنًا… هذا بث مباشر للسقوط .. بقلم “سماح طه”

في بلدٍ يئن من الحرب، و الجوع والموت المجاني…ويجمع شتات يومه بين الفقد والنجاة، كان من المفترض او الواجب.. أن يكون للفن دور … أن يكون سندًا قويا للروح، أو صوتًا يذكّر الناس بأن في الحياة ما يستحق البقاء.
لكن، بدلًا عن ذلك، اختار بعض من يُسمّون أنفسهم “فنانين” أن يقدّموا عرضًا آخر : عرض السقوط… بلا خجل، وعلى الهواء مباشرة.
ما دفعني لهذه الكتابة ليس تنظيرًا ولا خصومة مع أحد، بل موقف يومي بسيط ومُهين :
أن تجلس أم بين أطفالها، تفتح هاتفها بحذر، ثم تغلقه بسرعة… خوفًا من “لايف” عابر، أو مشهد لا يليق أن يُشاهد حتى بين زوجين، ناهيك عن أطفال، البراءة…
وهكذا، وبكل بساطة، صار الإنترنت خطرًا منزليًا.
وهكذا، تحوّل بعض “الفنانين” إلى عبء على الوعي، لا إضافة له.
ما يُعرض اليوم لا يشبه ما نمر به، ولا يشبه مجتمعًا ظلّ طويلًا يتباهى – أو يتوهم –(نحن أسياد شهامة).. او بأنه أكثر تماسكًا من هذا. لكن يبدو أن هذه الحرب لم تكتفِ بفضح هشاشتنا، بل نزعت آخر أوراق التوت التي كنا نغطي بها سوءاتنا الجماعية.
دعونا نكون صريحين:
هؤلاء ليسوا دخيلين علينا… هم منا.
من نفس المجتمع الذي كنا نغش أنفسنا بمثاليته. لذلك لن نتبرأ منهم، لكننا أيضًا لن نجمّل هذا القبح.
ما يحدث ليس “محتوى هابطًا” فحسب، بل انحدار أخلاقي يُبث بثقة، و”نميمة” خرجت من غرفها الضيقة لتُعرض على الجمهور كأنها إنجاز.
بل إن البعض لم يكتفِ بالسقوط، بل صار يتباهى به… كأن الفضيحة أصبحت مهارة.
أي زمن هذا الذي يُكافأ فيه الأكثر ابتذالًا؟
وأي فن هذا الذي لا يملك من أدواته سوى الإثارة الرخيصة؟
في خضم أزمة إنسانية كان يفترض أن تفرز أجمل ما فينا، خرج هذا النموذج ليؤكد حقيقة واحدة:
“فاقد الشيء لا يعطيه”…
ومن لا يملك وعيًا، ولا قضية، ولا حدًا أدنى من احترام الذات، لن يجد ما يقدمه سوى المزيد من الضجيج.
ثم يأتيك من يبرر، بكل بساطة: “هذا هو الواقع”…
لا، هذا ليس واقعًا… هذا استسلام كامل.
استسلام لفكرة أن القاع يمكن أن يكون منصة، وأن الإسفاف يمكن أن يُسوّق كفن، وأن الانحدار يمكن أن يُعاد تدويره تحت اسم “حرية شخصية”.
الأخطر من ذلك؟
أن بعض المنصات الإعلامية لم تكتفِ بالمشاهدة، بل أصبحت شريكًا في هذا الانهيار. تلهث خلف “الترند”، وتمنح الضوء لمن يصرخ أكثر، لا لمن يقول شيئًا يستحق أن يُسمع.
وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مجاملة و بقوة :
ما دورنا نحن كإعلاميين؟
هل أصبحنا مجرد مرايا لهذا العبث؟ أم أننا ما زلنا نملك شجاعة الفرز، والاختيار، والرفض؟
نعم، ما زال هناك فنانون حقيقيون… يعملون بصمت، ويقدمون ما يشبه الناس.
لكن مشكلتهم أنهم لا يملكون ضجيج الفضائح، ولا مهارة تسويق السقوط.
ما يحدث الآن ليس أزمة فن فقط…
بل أزمة خلاق ووعي.
وإذا سألتموني عن السقوط…
فأخطر أنواعه ليس ذاك الذي يحدث فجأة، بل ذاك الذي يتم بالرضا.
أن ترى، وتفهم، وتدرك… ثم تختار أن تمضي في الاتجاه الخطأ بكامل إرادتك.
ذلك هو المرض.
فماذا يعني صوتٌ جميل… لفنانٍ “مُقرقر” من الداخل؟
أي قيمة للحنٍ يُطرب الأذن… بينما يسيء للوعي ويخدش الذوق العام ؟
ليست الأزمة في الحنجرة، بل في ما وراءها.
في المعنى، في الضمير، في المسؤولية التي تم التخلي عنها بسهولة مذهلة.
وقديماً، قال بيدبا الحكيم للملك دبشليم :
إن بعضهم يسقط لأنه يرى… ولا يُبصر،
ويسقط البعض لأنه يظن أنه يتقدم… بينما هو في الحقيقة يسير القهقرى.
وهؤلاء… يرون، ولا يُبصرون.
لكن،
ورغم هذا المشهد الكئيب،
لن يكون السقوط قدرًا نهائيًا…
وهنا، لا يكفي الغضب ولا يكفي الاستنكار … بل الدعوة لكل الزملاء الصحفيين و الإعلاميين :
ان تعالوا نجلس لكلمة سواء … لنتفاكر حول هذا الأمر الخطير.
تعالوا نتماسك… لنشكل حائط صد يواجه هذا الفيضان من الغثاء و الانحطاط
تعالوا نحسم هذه الفوضى… ونرفع درجة وعي الناس.
لا تجعلوا هذا الإسفاف يتسلل إلى داخل بيوتكم،
ولا تمنحوه شرعية الصمت.
لأننا، ببساطة،
لن نسقط برضانا….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى