نباح الثورة… ونواح المرحلة بقلم: سماح طه – التايمز نيوز
رأي

نباح الثورة… ونواح المرحلة بقلم: سماح طه

كنت في بداية المرحلة الابتدائية، وكانت هناك علامة أكيدة أعرف بها أنني تأخرت عن موعدي. فإذا انتهت النشرة الرئيسية الصباحية في الإذاعة السودانية وبدأت فقرة يونس محمود، أدركت أن يومي لن يمر بسلام، وأن “جلدة محترمة” تنتظرني بسبب التأخير.
لذلك ارتبطت تلك الفقرة في ذاكرتي بشيئين؛ الخوف من العقاب المدرسي، وذلك الخطاب السياسي الصاخب الذي كان يملأ الأثير كل صباح. كان يونس محمود يطل على المستمعين محملاً بالشعارات والهجوم على هذا الطرف أو ذاك، حتى أصبحت عباراته جزءاً من الذاكرة السياسية لجيل كامل. وما زلت أذكر عبارته الشهيرة: “لن تأكل بقرة الثورة من برسيم الإمبريالية”، وغيرها من الجمل التي كانت تُلقى بثقة مطلقة وكأنها حقائق منزلة لا يأتيها الشك.
في ذلك العمر لم أكن أفهم شيئاً من السياسة، لكنني كنت أشعر أن هناك غضباً دائماً يخرج من المذياع، وأن العالم كله متهم حتى تثبت براءته.
والطريف أن الأقدار شاءت بعد سنوات طويلة أن يكون أول حوار صحفي أجريه لصحيفة “ألوان” مع يونس محمود نفسه. يومها لم أجد ذلك الرجل الذي كانت كلماته تهز الإذاعة الرسمية كل صباح، بل وجدت شخصاً يعمل على هامش المؤسسات، يؤدي دوراً ثانوياً بعيداً عن دوائر النفوذ التي دافع عنها يوماً بكل ذلك الحماس.
خرجت من ذلك اللقاء بدرس سياسي لا أنساه أبداً. فالذين يُدفع بهم إلى واجهة المعارك الكلامية، ويُكلفون بمهمة الهجوم والتخوين وإطلاق الأوصاف الجارحة على الخصوم، هم في الغالب أول من تتم التضحية بهم عندما تتغير المراحل.
فقد كانت تلك السنوات مليئة بالأوصاف التي ظن أصحابها أنها ستصنع لهم مكاناً في التاريخ. عبارات من شاكلة “الفهد المروض” و”ابن الراقصة” وغيرها من الخطابات المتفلتة التي تجاوزت الخصومة السياسية إلى الإساءة الشخصية. يومها صفق البعض وضحك البعض الآخر، لكن التاريخ احتفظ بهذه العبارات كدليل على مستوى الانحدار الذي وصل إليه الخطاب العام.
ومع مرور الوقت اكتشفت أن السياسة لا تكافئ أصحاب الأصوات العالية بقدر ما تستخدمهم ثم تتجاوزهم. فالأنظمة لا تأكل خصومها فقط، بل كثيراً ما تأكل أبناءها أيضاً. وهذا ما حدث مراراً في السودان. فكم من شخص ملأ الساحات ضجيجاً، ووزع شهادات الوطنية والخيانة على الناس، ثم انتهى منسياً على هامش المشهد عندما تبدلت الظروف.
واليوم، وأنا أتابع ما يجري حولنا، أجد نفسي أستعيد تلك الذكريات القديمة. الفرق الوحيد أن نباح الثورة الذي كان يأتي عبر الإذاعة في موعد محدد أصبح الآن متاحاً على مدار الساعة، عبر الشاشات والهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي.
لكن الجديد في زماننا ليس النباح وحده، وإنما النواح أيضاً.
فلكل مرحلة نباحوها الذين يهاجمون الجميع باسم القضية، ولكل مرحلة نائحوها الذين يبكون على الأشخاص أكثر مما يبكون على الأوطان. تراهم ينتقلون من منصة إلى أخرى ومن موقف إلى نقيضه، بحسب اتجاه الريح السياسية. بعضهم يفعل ذلك عن قناعة، وبعضهم عن مصلحة، وبعضهم لأن النواح نفسه أصبح مهنة قائمة بذاتها.
والأخطر من ذلك هو النواح مدفوع الأجر؛ ذلك الذي لا تحركه مبادئ ولا قناعات، وإنما تحركه الحسابات والمكاسب والمواقع. نواح لا يختلف كثيراً عن النباح المؤدلج، فكلاهما يبيع الوهم للناس، ويصنع ضجيجاً يحجب الحقائق، ويحول القضايا الوطنية إلى مزاد مفتوح للمزايدات.
المؤسف أن كثيرين لا يتعلمون من دروس من سبقوهم. يظنون أن المبالغة في الدفاع عن الأشخاص تمنحهم حصانة دائمة، وأن الهجوم على الآخرين يضمن لهم مكاناً في المستقبل. لكن التاريخ السوداني يقول العكس تماماً. فالأسماء تتغير، والوجوه تتبدل، والمراحل تمضي، بينما يبقى أصحاب الصياح أول ضحايا التحولات.
لذلك أقول لمعشر النباحين والنائحات، والنباحين والنابحات: لا تكونوا ملكيين أكثر من الملك. لا تحرقوا أرصدتكم الأخلاقية من أجل معارك مؤقتة، ولا تبيعوا كلماتكم لمن يدفع أكثر أو يصفق أكثر. فالمراحل السياسية قصيرة العمر، أما الكلمة فتبقى، وصاحبها يبقى مسؤولاً عنها مهما تغيرت الظروف.
لقد علمني يونس محمود، دون أن يقصد، درساً بليغاً. فالرجل الذي كان يملأ الأثير ضجيجاً انتهى به المطاف بعيداً عن دائرة الضوء، بينما بقيت كلماته تطارده في ذاكرة الناس أكثر مما بقيت مناصبه.
وهكذا، كلما تذكرت نباح الثورة في إذاعة الأمس، ونظرت إلى نواح المرحلة في إعلام اليوم، ازددت يقيناً بأن الضجيج لا يصنع مجداً، وأن الذين يراهنون على الصراخ والهتاف والنواح مدفوع الأجر، قد يكتشفون متأخرين أن المرحلة التي رفعتهم يوماً هي نفسها التي ستلتهمهم غداً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى