حرب الخليج الثالثة: هل رسم البريكس مشهد الصراع الجديد؟ بقلم.. محمد الحسن محمد نور – التايمز نيوز
رأي

حرب الخليج الثالثة: هل رسم البريكس مشهد الصراع الجديد؟ بقلم.. محمد الحسن محمد نور

في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها النظام العالمي، يطل علينا سيناريو مرعب من منطقة الخليج، لا يكتفي بوصف حرب إقليمية جديدة، بل يرسم ملامح “حرب الخليج الثالثة” كحرب وجودية بامتياز. إنها لوحة متكاملة الأركان حيث تندمج المتغيرات الدولية الكبرى مع التحركات العسكرية على الأرض، لتخلق معادلة جديدة قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط. فهل نحن أمام شرارة حرب عالمية ثالثة من دون أن ندري؟

تصاعد البريكس: الشرارة الخفية للحرب؟

يبدأ المشهد بافتراض، مفاده أن تصاعد قوة التكتلات الاقتصادية الناشئة، وفي مقدمتها “البريكس”، كان الدافع الخفي الذي اضطر الرئيس ترامب إلى إعادة تشكيل الاستراتيجية الأمريكية على مبدأ “الهجوم خير وسيلة للدفاع”. فمع تحول مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو آسيا، وبروز تحدي حقيقي للهيمنة الأمريكية الأحادية، بدت واشنطن وكأنها تعيد حساباتها. لم تعد سياسة الصفقات السريعة مجدية، فعقبها التحول السريع إلى لغة القوة المكشوفة، الذي بدأ باستبدال اسم “وزارة الدفاع” بـ”وزارة الحرب”. هذا التحول جاء مباشراً بإحلال عقلية الهيمنة بالقوة، محل سياسة الصفقات والكسب السريع الذي بدأ به. ثم أعلن الأهداف: الاستيلاء على احتياطيات الطاقة العالمية، والممرات البحرية الحيوية، وتحقيق الحلم الجيوسياسي بـ”إسرائيل الكبرى”.

وتشير بعض التقديرات إلى أن واشنطن قد تمكنت من إبرام بعض التفاهمات مع روسيا والصين قبل البدء في الخطوات الأولى لتنفيذ هذه الاستراتيجية، مما مهد الطريق أمامها بالمضي قدماً في التنفيذ.

من فنزويلا إلى طهران: تفكيك المشهد

تأخذنا الأحداث في جولة سريعة على رقعة الشطرنج الدولية، حيث كانت فنزويلا المحطة الأولى في تنفيذ هذه الاستراتيجية الجديدة. فبعد غزة وسوريا ولبنان، وجهت الإدارة الأمريكية حشودها نحو فنزويلا، واخترقت العاصمة كاراكاس، واعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو، وأعلنت الاستيلاء على نفط البلاد “لصالح الشعبين الأمريكي والفنزويلي”. كانت الرسالة واضحة: الموارد النفطية للدول حول العالم أصبحت هدفاً أمريكياً مشروعاً.

بعد إنجاز محطة فنزويلا بسلام ودون أي عوائق ودون أي اعتراضات من روسيا أو الصين، لم يهدر الرئيس ترامب الوقت، بل توجه مباشرة نحو المحطة الثانية والأكثر تعقيداً: إيران. هنا، بدأت الحرب بعملية شرسة مشتركة مع إسرائيل، استهدفت القيادة العليا للبلاد، أسفرت عن اغتيال المرشد علي خامنئي وعدد من قيادات الحرس الثوري. إيران كانت مستعدة، فالرد كان سريعاً، عبر صواريخ ومسيّرات استهدفت المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.

تساقط الصواريخ الإيرانية داخل الدول الخليجية أفرز انقلاباً في موقف دول الخليج، التي اعتبرت هذه الضربات خرقاً لسيادتها، فدخلت في مواجهة كلامية مباشرة مع طهران. ثم انضمت بعض العواصم الأوروبية وأعلنت دعماً للحليف التقليدي. وهكذا بدأت رقعة الصراع تتسع، والجبهات تتشكل.

المأزق الأمريكي: الفيتنام الثالثة؟

مع استمرار الحرب وارتفاع تكاليفها، بدا واضحاً أن واشنطن تخشى من طول أمد المواجهة. فالحرب الجوية وحدها لم ولن تحقق النصر الحاسم، وأدركت القيادة الأمريكية أنه دون حرب برية لا يمكنها الانتصار. لكن الدخول في حرب برية في عمق الأراضي الإيرانية كان بمثابة كابوس يذكر بالفيتنام وأفغانستان والعراق.

هنا بدأت تظهر خطة جديدة: فأعلنت كل من واشنطن وإسرائيل دعمهما وتسليحهما للمعارضين الأكراد بغرض إدخالهم في الحرب “لينوبوا عن الجنود الأمريكيين في الحرب البرية”.

الفوضى الخلاقة: الانسحاب الذكي وإدارة الصراع

في خضم هذا التعقيد، يبرز سيناريو ديabolical للاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية. بعد أن أدركت واشنطن أن النصر لا يمكن تحقيقه دون حرب برية مكلفة، بدأت بصب الزيت على نار الصراع المذهبي. الهدف: تحويل الحرب الإقليمية إلى حرب أهلية شاملة بين السنة والشيعة والأكراد.

في هذا المشهد، تسعى أمريكا وإسرائيل إلى إشعال الحرب بين هذه المكونات، ثم الانسحاب الذكي والصعود إلى “صالة المراقبين” بهدوء، تاركين المنطقة تغرق في فوضى دموية تستنزف الجميع. الفكرة هي ترك المنطقة تنهار في صراعات داخلية، لتتمكن واشنطن لاحقاً من العودة “لجمع الغنائم” وإعادة ترسيم الحدود وفق مصالحها، بعد أن ينهك الجميع بعضهم بعضاً.

أين روسيا والصين؟ وأين توارى البريكس؟

هنا تبرز الأسئلة الأكثر إلحاحاً: أين يقف العمالقة؟ وأين توارى تحالف البريكس؟

يبدو المشهد الدولي أقرب إلى حرب باردة جديدة. روسيا، المنشغلة بجبهتها الأوكرانية، والمتوازنة في علاقاتها المشدودة مع الغرب، تبدو غير مستعدة لخوض مغامرة عسكرية مباشرة. دعمها لإيران بقي غامضاً، وانحصر في إطار الخطاب الدبلوماسي الغاضب، والتعاون العسكري-التقني المحدود، لكن من دون التزامات دفاعية مشتركة.

الصين، الشريك التجاري الأكبر لإيران وشريان حياتها الاقتصادي، تواصل لعبة “النفس الطويل”. دورها يتركز في كونها مظلة دبلوماسية في مجلس الأمن، ومشترياً رئيسياً للنفط الإيراني عبر “الأساطيل الشبحية”، مع تجنب أي تورط عسكري. استراتيجية بكين تبدو قائمة على إبقاء الولايات المتحدة منشغلة في مستنقع الشرق الأوسط، دون التسبب في انهيار إقليمي كامل يهدد إمدادات الطاقة.

موقف الهند أثار تساؤلاً ملحاً، فانضمام ناريندرا مودي الواضح إلى المحور الإسرائيلي، وتعاونه الوثيق مع بنيامين نتنياهو لتأسيس “تحالف سداسي” يمتد من الهند إلى شرق المتوسط، يضع علامات استفهام كبرى حول تماسك “بريكس”. هل ضحت نيودلهي بالنفط الروسي الرخيص الذي أفادت منه طيلة السنوات الماضية، منذ أن فرضت العقوبات الغربية على روسيا؟ وتنكرت للعلاقة مع طهران من أجل شراكة استراتيجية مع تل أبيب وواشنطن؟

الخاتمة: نحو عالم جديد مجهول

نختم هذا التحليل بتساؤلات وجودية: هل تنجح هذه الخطة الأمريكية في تحويل المنطقة إلى فوضى عارمة؟ أم أن روسيا والصين تختبئان في الظل، تراقبان وتنتظران تنفاذ قوة جميع الأطراف المتحاربة ليكشرا عن أنيابهما؟

ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في كونه حرباً على إيران، بل هو مخاض تاريخي لنظام دولي جديد. إنها لحظة إعادة تشكيل التحالفات، حيث تتقاطع المصالح وتتصارع، وحيث يمكن لحرب الخليج الثالثة أن تكون الشرارة التي تعيد العالم إلى حقبة جديدة من الصراعات الممتدة.

إن الحل لهذه المعضلة لا يتأتى إلا بتجرد قادة دول المنطقة من نزعاتهم السلطوية، وإعلاء الحس الوطني لديهم، والتحلي بالمسؤولية، والوصول إلى موقف موحد مبني على الفهم الصحيح لمصالح دولهم.

محمد الحسن محمد نور
5 مارس 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى