ميرغني أبشر يكتب.. تغيير “لعمامرة” ب”هافيستو”: هل يمهد لتدخل “تحالف الراغبين”؟ – التايمز نيوز
رأي

ميرغني أبشر يكتب.. تغيير “لعمامرة” ب”هافيستو”: هل يمهد لتدخل “تحالف الراغبين”؟

فور إعلان الأمين العام للأمم المتحدة تعيين مبعوث أممي جديد للسودان، بيكا هافيستو، خلفاً للمبعوث السابق رمطان لعمامرة، وذلك بعد أقل من يوم على دعوة منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) مجلس الأمن الدولي إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين في السودان عبر الموافقة على نشر بعثة دولية، استجابةً لتزايد الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين بحسب تقارير صحفية موثوقة، كما دعا البيان إلى ضمان التنفيذ الصارم لحظر الأسلحة المفروض حالياً على إقليم دارفور وتوسيعه ليشمل كامل الأراضي السودانية.

هذا التزامن بين إعلان تعيين المبعوث الأممي الجديد وبيان المنظمة الحقوقية الدولية جرّ أقلام العديد من المحسوبين على الإسلام السياسي وداعمي النظام العسكري في الخرطوم إلى حملة محمومة للنيل من السمعة الشخصية للمبعوث الفنلندي، في خطوة صريحة تعكس ضياع جهود النظام المدعوم من التيار الإسلامي في إعادة تعريف الأزمة السودانية أمام المجتمع الدولي، عبر تقديم المبعوث الأممي السابق الجزائري باعتباره الأكثر استماعاً لمقولاتهم، مستندين إلى التقارب الجزائري مع نظامهم سنداً وشفيعاً.

صحيح أن الخلفية السياسية للمبعوث تؤثر على أسلوبه وشبكة علاقاته، غير أن ما فات على القوم أن تغيير العمامرة يأتي وفق تقديرات موضوعية، من بينها:
جمود العملية السياسية وفقدان القدرة على تحقيق اختراق، أو فقدان الثقة من أحد الأطراف الرئيسية بما يجعل الوساطة غير قابلة للاستمرار. وفي هذه النقطة تحديداً جاءت احتجاجات قوى الثورة وتياراتها المدنية والحزبية على تعاطي العمامرة مع ملف الحرب، إضافة إلى الحاجة لأسلوب تفاوض مختلف يجمع بين دبلوماسي تقليدي وسياسي أكثر صرامة، وهي صفات تتوفر في المبعوث الجديد الذي خبر السودان سابقاً إبان عمله في بعثة الاتحاد الأوروبي. كما أن هناك اعتبارات تتعلق بالديناميات الإقليمية.

فالرفض المسبق قبل أن يبدأ الرجل عمله يحمل عدة مخاطر على نظام الخرطوم، من بينها إظهار عزلة سياسية دولية، ومنح خصومه ورقة دبلوماسية تمهد لمسار سياسي، وتسهيل انتقال الملف من مسار تفاوضي مرن إلى مسار أكثر صرامة (عقوبات، لجان تقصي، إلخ).

أما الرفض المبكر، فهو يضع حكومة العسكر في موقع المواجهة المباشرة مع المنظومة الدولية، في ظل دعم واضح من مجلس الأمن الدولي للمبعوث الجديد، الذي جاء تعيينه بعد سلسلة اجتماعات عقدها المجلس مؤخراً، مع وجود توافق أمريكي–أوروبي–إفريقي، واستعداد أحد طرفي الحرب لتقديم تنازلات. توافر هذه العناصر قد يقود إلى منحى غير محسوب في ذهنية سياسي التيار الإسلامي، وهو المضي نحو خيار آخر مدعوم من المنظمة الدولية، لكنه تحت مظلة أخرى تجنباً لأي تناطح داخل مجلس الأمن الدولي، وهو خيار التدخل تحت مظلة “تحالف الراغبين”، وبتفويض من منظمات إقليمية.

وهو تحالف عسكري تقوده دولة كبرى (الولايات المتحدة ـ بريطانيا) مع مجموعة دول مستعدة للمشاركة، من دون قرار صريح من مجلس الأمن الدولي، أو مع تفسير قانوني موسع لقرارات سابقة، كما حدث في غزو العراق عام 2003 عندما قادت الولايات المتحدة وبريطانيا “تحالف الراغبين”، ولم يصدر وقتها تفويض جديد واضح من مجلس الأمن باستخدام القوة، وتم الاستناد إلى قرارات سابقة تتعلق بأسلحة محرمة دولياً. أو كما حدث في كوسوفو عام 1999 عندما تدخل حلف شمال الأطلسي ضد صربيا، ولم يصدر قرار صريح باستخدام القوة بسبب احتمال الفيتو الروسي، وتم تبرير التدخل بضرورة منع كارثة إنسانية.
كما أن الميثاق الأممي يسمح للمنظمات الإقليمية بالتحرك في إطار الفصل الثامن، بشرط التنسيق مع مجلس الأمن. وقد حدث ذلك في تدخل الإيكواس في ليبيريا وسيراليون، إذ قادت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا قوات لحفظ السلام، وتم التدخل بداية بقرار إقليمي، ثم لاحقاً حصل على غطاء أممي، وكانت النتيجة أنه ساهم في إنهاء الحروب الأهلية، لكن بتكلفة بشرية عالية.

غير أن ما يرجح قبيل ذلك هو ممارسة ضغط اقتصادي تعقبه رعاية هدنة، مصحوبة بدعم قوة مراقبة إقليمية محدودة، أو آلية لحماية المدنيين في مناطق محددة.

وفي الختام، نجد أن التاريخ القريب يُظهر لنا أن إسقاط طرف عسكرياً أسهل بكثير، غير أن التدخل الخارجي، وإن أنهى مرحلة من الصراع، قد يفتح أخرى. والنجاح الحقيقي لا يكون عسكرياً، وعلى أطراف الصراع أن تركن إلى النجاح المؤسسي والدبلوماسي بدلاً عن تعنت تقف وراءه مصالح ضيقة على حساب أمة ووطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى