الانقلاب الأكبر: عدوى الانقلابات تصيب النظام الدولي بقلم.. محمد الحسن محمد نور – التايمز نيوز
رأي

الانقلاب الأكبر: عدوى الانقلابات تصيب النظام الدولي بقلم.. محمد الحسن محمد نور

قراءة في القرار الأممي 2803: هل وصلنا بالفعل إلى «خصخصة» السلام العالمي؟

إن الانقلابات العسكرية التي شهدها ما سمي بـ «العالم الثالث» على مدى العقود الثمانية التي مضت قد قدمت للعالم درساً بليغاً في كيفية تعطيل تطور الدول؛ مجموعة تستولي على السلطة بالقوة، وتضفي على نفسها اسم «ثورة».. ثورة الفاتح، ثورة مايو، ثورة الإنقاذ الوطني. تلغي المؤسسات القائمة، وتختلق لنفسها شرعية «الإنجاز الميداني»، لتتحول النتيجة إلى عقود من الفوضى والتراجع. هذا المشهد التاريخي يعود اليوم، لكن على المسرح الدولي، وبأدوات مختلفة، وبكلفة أعلى مما يمكن تصوره في عالم اختلفت موازين قوته جذرياً.
ولادة الكيان الموازي
الحديث عن «مجلس السلام» الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في 29 سبتمبر (2025) كجزء من خطته للسلام في غزة، ليس مجرد فكرة عابرة. النقاش الدائر حول هذا المجلس تكلل في 17 نوفمبر (2025) بتبني مجلس الأمن الدولي القرار رقم (2803) الذي أقر بإنشاء «مجلس السلام» كهيئة انتقالية في غزة، وحظي القرار بموافقة 13 عضواً وامتناع روسيا والصين فقط.
هذا الامتناع كان صادماً؛ إذ انتظر العالم استخدامهما حق النقض (الفيتو) ضد مشروع يمس صميم النظام الدولي، لكنهما آثرتا الحياد، تاركتين المجال مفتوحاً أمام ولادة كيان دولي جديد يزاحم الأمم المتحدة. القرار في حد ذاته يكشف عن مشروع متكامل لبناء هيكل موازٍ للمنظمة الدولية؛ مشروع لا يسعى لوراثة شرعية مجلس الأمن، بل لتجاوزها وإنشاء شرعية جديدة تقوم على القوة والإنجاز السريع، وليس على القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
نهج «المسار الموازي»
تصريحات الشخصيات المقربة تعزز هذا التوجه؛ ففي نوفمبر (2025)، كشف مسعد بولس، مستشار ترامب للشؤون العربية والأفريقية، عن تقديم خطة سلام أمريكية «منظمة» لإنهاء الحرب في السودان، وألمح إلى إمكانية متابعتها عبر آليات تتجاوز أطر مجلس الأمن التقليدية. هذا النهج يعكس فكرة «المسار الموازي»: رفع الملفات إلى المؤسسة الدولية الرسمية مرحلياً، لتمهيد الطريق أمام المسار الموازي تحت القيادة الأمريكية المباشرة.
“بهذا التصريح، سقط القناع عن الهدف الحقيقي: غزة مجرد نموذج أولي، والعالم بأسره هو السوق المستهدف.”

مجلس السلام الذي أقره القرار (2803)، والمقرر أن يستمر حتى 31 ديسمبر (2027)، لن يكون خاضعاً بالكامل لآلية الفيتو التقليدية التي طالما عطلت القرارات الدولية. القرار منح المجلس الجديد صلاحيات واسعة غير مسبوقة، بما فيها الإشراف على قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وهو ما أثار تحفظات دولية بسبب «غموض» الصلاحيات وغياب الإشارة الواضحة لحل الدولتين.
لغة الأرقام: غابة مسلحة بالذكاء الاصطناعي
هذا الانقلاب على النظام الدولي له سمات الانقلابات العسكرية الكلاسيكية ذاتها: الاستيلاء على السلطة باسم الفاعلية، وتجويع المؤسسات القائمة سياسياً، وفرض منطق جديد يقوم على قاعدة «من يدفع ومن ينفذ» بدلاً من قاعدة «الدول المتساوية سيادياً». لكن المفارقة الأكثر خطورة تكمن في توقيت هذا الانقلاب؛ فوفقاً لبيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) في تقرير أبريل (2025):
بلغ الإنفاق العسكري العالمي في (2024) رقماً قياسياً هو 2.718 تريليون دولار (زيادة 9.4%).
الولايات المتحدة وحدها أنفقت 997 مليار دولار (37% من الإجمالي العالمي).
إسرائيل سجلت أكبر زيادة نسبية عالمياً بارتفاع 65% لتصل إلى 46.5 مليار دولار.
روسيا زادت إنفاقها 38%، وألمانيا 28%، واليابان 21%.
هذه الأرقام تعني أن العودة إلى منطق «فرض السلام بالقوة» تجري في عالم مختلف جذرياً عن عالم (1945). الأسلحة اليوم لم تعد دبابات ومدفعية فقط، بل أسلحة نووية تكتيكية، طائرات مسيرة، حروب سيبرانية، وأنظمة ذكاء اصطناعي. أي انهيار للنظام الدولي في هذا السياق سيكون أكثر كلفة بما لا يقاس.
الخاتمة: السلام القسري والركام القادم
الأسوأ هو ما سيعنيه هذا المشروع لمفهوم «السلام» نفسه. السلام في منطق المجلس الجديد قد يتحول إلى غطاء لتجارب لا تُعرف عواقبها؛ وهو سلام لا يحل جذور الصراعات، بل يكبها تحت السطح ويؤجل انفجارها.
“قد يتحول هذا المجلس إلى غطاء لتجارب أمريكية إسرائيلية لا تعرف عواقبها.” — المندوب الروسي في مجلس الأمن (بعد التصويت على القرار 2803).
إن السلام القسري، إذا تم فرضه بهذه الطريقة، لن يكون سوى مقدمة لصراعات أكثر عنفاً تخاض بأسلحة اليوم المتطورة. إن تطبيق منطق الانقلابات على النظام الدولي يعني العودة إلى مرحلة «قانون الغاب»؛ والفرق أن غابات اليوم مسلحة بأسلحة فتاكة قد لا تبقي غابة ولا حيواناً. ركام مجلس الأمن الذي نراه اليوم قد يتحول غداً إلى ركام النظام الدولي بأسره، ثم إلى ركام ما تبقى من عالم يمكن العيش فيه.
يبقى السؤال الذي لا يريد أحد مواجهته: إذا كان هذا هو ‘السلام’، فكيف ستكون الحرب القادمة؟

محمد الحسن محمد نور
محلل سياسي مستقل ،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى