“أم فيوز.. البصيرة أم حمد” بقلم.. “سماح طه”

تتداعى إلى ذهني دائماً حكاية البصيرة أم حمد كلما تابعت ما تكتبه أو تقوله “أم فيوز” كما يحلو لي أن أسميها.
ويُحكى أن البصيرة أم حمد قيل لها إن ثوراً أدخل رأسه في زير، فأشارت على الناس أن يقطعوا رأس الثور. نفذ الناس نصيحتها، ثم عادوا إليها قائلين: “قطعنا رأس الثور وما زالت المشكلة قائمة”. فنظرت إليهم بثقة كاملة وقالت: “خلاص… اكسروا الزير!”.
ومن يومها أصبحت القصة مثالاً للحلول المرتجلة التي تبدأ بخطأ وتنتهي بخطأ أكبر منه، وللثقة التي لا يحدها علم ولا يضبطها منطق.
لكنني كلما قارنت بين البصيرة أم حمد وأم فيوز، أجد نفسي مضطراً للاعتذار للبصيرة أم حمد، لأن المقارنة لم تعد منصفة. فالبصيرة أم حمد كانت بطلة حكاية شعبية عابرة، أما أم فيوز فقد جعلت من الضجيج مشروعاً دائماً، ومن الخصومات اليومية مهنة قائمة بذاتها.
دخلت أم فيوز إلى ساحة العمل الإعلامي والصحفي بثقة لا تنقصها الجرأة، لكنها كثيراً ما تفتقر إلى التروي. تنظر شمالاً ويميناً، وتوزع الأحكام على الناس والمؤسسات والرموز الوطنية، وكأنها تملك الحقيقة المطلقة، وتحتكر الفهم وحدها دون سائر البشر.
تتحدث في كل شيء، وتفتي في كل أمر، وتخوض في كل قضية، ثم تقدم آراءها باعتبارها حقائق نهائية لا يأتيها الشك من بين يديها ولا من خلفها.
والمشكلة ليست في الاختلاف، فالاختلاف سنة الحياة، والنقد حق مشروع للجميع. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى استهداف، وعندما يصبح التطاول على أصحاب التاريخ والإنجاز وسيلة سهلة لجذب الانتباه وصناعة الإثارة.
ولم تكتف أم فيوز بذلك، بل امتد بها الأمر إلى النيل من شخصيات وطنية وأكاديمية وعلمية صنعت أسماءها عبر عقود طويلة من العطاء. شخصيات بنت مكانتها بالعمل والإنجاز، لا بالصراخ ولا بالمنشورات اليومية ولا بالمعارك المصنوعة.
غير أن أم فيوز لم تكن لتصل إلى هذه المرحلة لولا أنها وجدت حولها كتيبة كاملة من المصفقين والمطبلاتية الذين لا يرون عيباً ولا يسمعون نقداً ولا يعترفون بخطأ.
وما أكثر المطبلاتية في بلادنا المنكوبة.
فهم يصفقون لكل عبارة، ويهللون لكل منشور، ويعتبرون كل هجوم بطولة، وكل إساءة شجاعة، وكل تجاوز للرأي الآخر دليلاً على قوة الشخصية.
ولا يسألون أبداً: هل ما قيل صحيح أم خاطئ؟ بل يسألون فقط: من الذي قاله؟
فإن كان من جماعتهم صفقوا له، وإن كان من غير جماعتهم أشهروا السيوف في وجهه.
ويقول الناس إن البراميل الفارغة أكثر ضجيجاً، ولعل هذا المثل يجد تفسيره الكامل في بعض ما نشاهده اليوم. فكلما ضاقت الحجة ارتفع الصوت، وكلما تراجع المنطق ازداد الصخب.
وحقيقة الأمر أن أم فيوز وصلت إلى مرحلة من الضجيج تجعلني أعتقد أنها اقتربت من المرحلة الأخيرة في هذا الطريق. فهناك مرحلة يستهلك فيها الإنسان كل خصومه المفترضين، ويخوض معارك في كل اتجاه، ثم لا يجد في النهاية من يصارعه سوى نفسه ، فيصبح دينكشوتيا يصارع طواحين الهواء .
وأخشى أن تكون أم فيوز قد اقتربت من تلك اللحظة التي يبدأ فيها الضجيج بأكل صاحبه، فيلتهم ما تبقى من رصيده ومصداقيته، ويصبح أسيراً للصورة التي صنعها بيديه.
فالذي يجعل الخصومة مشروعاً دائماً لا يلبث أن يتحول إلى خصم للجميع، ثم ينتهي به المطاف خصماً لنفسه.
أما الذين يغدقون الأموال على هذه المنصات، ويمولون استئجار الاستوديوهات وصناعة الضجيج الإعلامي، ظناً منهم أنهم يشترون التأثير أو يصنعون الرأي العام، فأقول لهم:
إن المال قد يشتري مساحة للبث، لكنه لا يشتري احترام الناس، ولا يمنح المصداقية لمن لا يملكها.
وأنتم مسؤولون أمام الله وأمام المجتمع عن كل ما يسهم هذا التمويل في نشره من إساءة أو تضليل أو تشويه للوعي العام. فالدعم ليس مجرد أموال تدفع، بل مسؤولية أخلاقية كاملة عن الرسالة التي تُنشر والآثار التي تترتب عليها.
قد تظنون أن الأمر مجرد معارك عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن التاريخ لا ينظر إلى الأمور بهذه البساطة.
فالتاريخ لا يسجل عدد المشاهدات، ولا عدد المصفقين، ولا حجم الضجيج.
التاريخ يسجل من بنى ومن هدم، من جمع الناس ومن فرقهم، من خدم الوطن ومن استثمر في الخصومات.
وفي ختام هذا المقال لا يفوتني أن أدعو كل من يعرف قيمة العلم والعطاء والإنجاز إلى إطلاق ترند مستحق:
#شكراً_بروف_قاسم_بدري
شكراً لرجلٍ صنع اسمه بالعلم والعمل والعطاء، لا بالصخب ولا بالإساءات ولا بالمعارك المصنوعة.
ونقول له: أعفِ لنا إن عجزنا أحياناً عن حماية القامات الوطنية من حملات التجريح والتقليل، ففي زمن الضجيج ترتفع أصوات كثيرة، لكن القيمة الحقيقية تبقى حيث هي، لا تنال منها منشورات عابرة ولا حملات موسمية.
أما الذين اختاروا طريق الضجيج، والذين مولوه، والذين صفقوا له، فليتذكروا أن المنصات تخفت، والهتافات تهدأ، لكن التاريخ يبقى.
والتاريخ لا يرحم.



