” على خطى الإمام” .. ذكرى رحيل الصادق المهدي تجمع السودانيين في القاهرة

القاهرة : مهند عبادي
نظّم صالون الإبداع للثقافة والتنمية، مساء الخميس الماضي، ليلة بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيل الإمام الصادق المهدي بمسرح نقابة الصحافيين بالقاهرة، تحت عنوان «على خطى الإمام نحو مشروع وطني يوحد الأمة السودانية»، وذلك تزامناً مع الذكرى السبعين لاستقلال السودان، وشهدت الفعالية حضوراً واسعاً من الأوساط الثقافية والمجتمعية والإعلامية السودانية، والمصرية، وجمهور سوداني غفير، في أمسية تخللتها عروض وثائقية عكست محطات من سيرة الإمام الصادق المهدي،وأكد متحدثون خلال الفعالية على البعد الإنساني والفكري لشخصية الإمام الراحل، مشيرين إلى أثره الاجتماعي والروحي في محيطه العام، وإسهاماته الثقافية والسياسية والانسانية، وذلك في ظل حالة استدعاء لهذا الإرث والحسرة على فقدان صاحبه، سيما في ظل الفراغ الكبير الذي يعيشه السودان جراء رحيل الإمام الصادق المهدي، رمز الحكمة الوطنية وأحد أبرز أعمدة العمل السياسي والفكري في البلاد.

مشروع وطني يوحد الأمة..
عودة على بدء كان صالون الإبداع قد أقام في اطار فعاليات تأبين الإمام المهدي ندوة في الخامس والعشرين من ديسمبر الماضي بمركز التسامح في الدقي بالقاهرة بعنوان «الحل على خطى الإمام»، وذلك إحياءً للذكرى التسعين لميلاد الإمام الصادق المهدي، والذكرى الخامسة لرحيله، تحت شعار «نحو مشروع وطني يوحّد الأمة السودانية»،وشكّلت الندوة مساحة جادة للتفكير في مستقبل السودان، بعيدًا عن نمطية فعاليات التأبين التقليدية، حيث اتجهت إلى استلهام فكر الإمام الصادق المهدي ومنهجه السياسي والأخلاقي، وربطه بتعقيدات الواقع السوداني الراهن، في ظل الحرب والانقسام وتراجع صوت العقل لصالح منطق السلاح.
واستعرضت الندوة أوراق علمية ورؤى مستقبلية وشهدت تقديم أربع أوراق عمل رئيسية تناولت قضايا الديمقراطية والسلام والعدالة والأزمة السودانية في سياقها الإقليمي والدولي، وقدّم الدكتور إبراهيم البدوي ورقة حول بناء ديمقراطي مستدام، ركزت على متطلبات الانتقال المدني وإصلاح الاقتصاد السياسي، فيما تناول الأستاذ أسامة سيد أحمد الريح مشروع «التأسيس الرابع» لحزب الأمة القومي بوصفه إطارًا لتجديد الفكر والتنظيم.
كما استعرض الأستاذ صالح مصطفى ورقة بعنوان «لا سلام بلا عدالة»، مؤكدًا أن أي تسوية سياسية لا تضع العدالة في صلبها ستعيد إنتاج الأزمة، بينما قدّم الدكتور عبد الحليم عيسى تيمان رؤية تحليلية معمّقة للأزمة السودانية في محيطها الإقليمي والدولي، رابطًا بين أدبيات الإمام الصادق المهدي الفكرية ومستجدات الواقع السوداني المعقّد.
وأوضح رئيس صالون الإبداع للثقافة والتنمية، أحمد يوسف قربين، أن الندوة هدفت إلى استشراف حلول وطنية للأزمة السودانية، مستندة إلى فكر الإمام في توحيد الأمة وتغليب العقل والأخلاق في العمل السياسي.

رسائل مريم الصادق
الدكتورة مريم الصادق المهدي وجّهت في كلمتها بحفل ذكرى رحيل الإمام انتقادات حادة لمسار الحرب في السودان، مؤكدة أن الصراع الدائر لا يملك أي مشروعية وطنية، وأن السلاح مهما طال أمده لن يصنع دولة ولن يمنح شرعية لحكم البلاد، وشددت على أن استمرار الحرب يمثل فشلاً أخلاقياً وسياسياً ، ويمضي بالسودان نحو التفكك والاستنزاف بدل الاستقرار والبناء.
وقالت إن الرهان على الغلبة العسكرية أمر خاسر، مؤكدة أن التجربة أثبتت أن القوة لا تبني دولة، وأن تعدد المليشيات وتسييس السلاح بلغا مرحلة تهدد بقاء السودان نفسه.
ودعت إلى وقف فوري وشامل لإطلاق النار، وإخراج السلاح من العمل السياسي، وحصر القوة العسكرية في جيش قومي مهني واحد، محذّرة من أن إطالة أمد الحرب تعني توسيع رقعة الخراب ودفع البلاد نحو المجهول.
وأكدت مريم أن البلاد لن تُحكم بالقوة، وإنما بتوافق مدني وطني واسع، يقوم على وحدة القوى المدنية، وبناء دولة مدنية ديمقراطية، وعدالة انتقالية تعالج جذور الأزمة، وتحمي المدنيين، وتعيد الاعتبار للسياسة بوصفها أداة للحل لا ساحة للعنف.
وطالبت مريم المهدي قيادات هيئة شؤون الأنصار بالعمل على إطفاء نار الحرب والسعي إلى التهدئة، مؤكدة على حكمة وقوة الأنصار ودورهم في إنهاء الحرب وعلاج أدواؤها من عنصرية وقبلية وتمزق للنسيج الاجتماعي، وأشارت إلى أن وحدة قيادات الحزب واجب أخلاقي وضرورة وطنية ومسؤولية تاريخية.

وحدة القوى المدنية
و شددت على ضرورة الوحدة المدنية بوصفها شرطا للحكم، والاتفاق على حد أدنى وطني جامع على أسس وقف الحرب وحماية المدنيين وقيام دولة مدنية ديمقراطية وجيش مهني واحد تحت سلطة دستورية، وأوضحت أن الحرب لم تعد حرب قضية ولا حرب مظالم ولا حرب إصلاح دولة، بل حرب تفكك تغذيها الحسابات القصيرة والعصبيات والقبلية والجهوية والأيدي الخارجية ووهم الحسم بالقوة.
و أكدت أهمية الجيش كمؤسسة وطنية عريقة، وأشارت لكن لابد من التنبيه الى أن الجيش حين يحكم يضعف وحين يحمي الدستور يقوى.
ووجهت رسالة لقوات الدعم السريع، وقالت إن التاريخ أثبت بأن القوة التي لا تخضع للقانون ولا تندمج في جيش مهني قومي، تتحول مهما حسنت نواياها إلى عبء على المجتمع وسبب دائم لعدم الاستقرار، وقالت مريم في رسالة للحركات المسلحة إن الحركة التي لاتعرف متى تضع السلاح تتحول من مظلوم إلى مشكلة، لافتة إلى أن دخول الحركات إلى هذه الحرب لم يعالج مظالم الهامش بل وسعة رقعة الدمار فيه.

وفي حديثها وجهت مريم رسالة مباشرة لشباب السودان، و قالت: أنتم جيل المفترق لا جيل الهزيمة، محذّرة من خطاب الكراهية والعنف، ودعت إلى استعادة الوعي والعمل لمواجهة محاولات تمزيق المجتمع.
وطالبت المجتمع الإقليمي الدولي، بوقف دعم أطراف الحرب وعدم ترجيح كفة عسكرية على أخرى، مؤكدة أن تدويل الصراع يهدد الأمن الإقليمي، وأن استقرار السودان لا يتحقق إلا عبر مسار مدني شامل يحفظ وحدته وسيادته.
وأكدت على أن السودان يحتاج مشروعاً وطنياً جديداً وعقداً اجتماعياً جامعاً، مشددة على أن من يقدّم الوطن على السلطة هو وحده من يصنع المستقبل.

وفي السياق أوضح عبد المحمود أبو الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار، أن الإمام الصادق المهدي كان مصلحا ولذلك أصلح النفوس والمجتمعات، وأن أثره ظل باقيا معربا عن أمله في أن يسير الجميع على ذات الأثر، وأضاف أن الإمام كان إنسانا في تعامله مع الجميع وحتى مخالفيه، فضلا عن أنه اتسم بالموسوعية المعرفية وكانت معرفته فيها عمق وإحاطة، وأكد أبو، أن الإمام كان لديه اعتزاز بالانتماء لوطنه ودينه وتاريخه وكل ما يشرف الإنسان، فضلا عن أنه متميزا بالاجتهاد والتجديد، وكان مجددا وكل ما تمر قضية كان من المبادرين لتقديم الرؤية للتعامل معها.
فيما أشار السفير صلاح حليمة مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، إلى أن الإمام الصادق المهدي يبدو وكأنه موجود بين الناس بما تركه من تراث عظيم، وأعرب السفير صلاح حليمة عن أمانيه في الوصول لتسوية للأزمة السودانية، وأكد على أهمية التوافق بين كل مكونات المجتمع السوداني، وتشكيل حكومة مدنية انتقالية تضع اللبنات لدستور دائم وتنتهي بإجراء انتخابات شفافة نزيهة تفضي لحكم ديمقراطي، وأن يكون هناك جيش مهني واحد ودمج للقوات الأخرى.
ونوه السفير صلاح حليمة بأهمية فك الارتباط بين القوات العسكرية والمكونات السياسية.وأضاف العملية السودانية ملك للسودانيين بدون أي إملاءات من الخارج .

ممثل أسرة الإمام الصادق المهدي، مصطفى إمام الحلو، حيا بدوره شهداء ثورة ديسمبر لافتا إلى أنها نادت بالحرية والسلام والعدالة.
وأضاف نحن في أمس الحاجة للخطاب الحقاني سيد القلم والرأي، في وأكد الحلو أن الشعب قادر على تضميد جراحه والاجتماع على كلمة سواء .
ومن جهته قال رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير عبر كلمة مسجلة: إن الإمام الصادق المهدي حاز على نسبة كبيرة من المحبة في قلوب الكثيرين، مؤكدا أن كثيف الدلالة على ذلك الأمر كان يوم رحيله.
وأشار الدقير إلى المعاناة التي واجهها الإمام خلال مسيرة حياته، مبينا أن سنوات عمره توزعت بين السجون والمنافي، وأضاف حياته في مجملها كانت مسيرا صعبا في دروب العمل الوطني حتى أتاه الأجل المحتوم، وتابع : بعد خمسة سنوات من رحيله محبته زادت في قلوب السودانيين، لأن ما جرى بعد رحيله زاد الإحساس بفقده.

عهد الجلاد.. ابداع بلاحدود
ليلة ذكرى رحيل الإمام الخامسة اختتمت بليلة غنائية لفرقة عهد الجلاد التي يقودها الفنان شمت محمد نور وقدموا مجموعة من الأعمال التي وجدت تفاعلا كبيرا وسط الحضور الذي تداعت ذكرياته وجاشت مشاعره مع أغنيات (يابا مع السلامة ، إيدينا للبلد ، تبتبا ، كفاكي ، فأجاني النهار) في أمسية امتزج فيها الفن بالسياسة، واستعاد فيها الحضور صورة الإمام الصادق المهدي كرمز للحكمة ولمّ الشمل، والتأكيد على أنه ورغم الجراح، ما زال ممكنا استدعاء سيرة رموز البلاد، والرهان على قيم الوفاق الوطني التي ظل الإمام الراحل يجسدها قولاً وفعلاً، بوصفها الطريق الأجدر للخروج من محنة الوطن واستعادة عافيته.



