هادية وإنصاف… حين ينتصر الفن في حضرة النيل.. بقلم.. سماح طه
ليلةُ الخميس لم تكن مجرد أمسيةٍ غنائية عابرة في ضيافة تجمع الفنانين السودانيين بمصر، بل بدت وكأنها لحظة استعادة لشيءٍ من روح الغناء السوداني وهو يتكئ على ذاكرته الجميلة ويطلّ بثقة على المستقبل. ليلةٌ كانت لها نكهة خاصة، زادها بهاء حضور اسمين يعرفان طريقهما إلى وجدان الناس: هادية طلسم و إنصاف فتحي.
لقد عوّدتنا هادية طلسم، منذ تجربتها الراسخة مع البلابل، أنها لا تجامل في الفن ولا تمنح تقديرها بسهولة. فهي ابنة مدرسةٍ تعرف أن الغناء مسؤولية قبل أن يكون حضورًا على المسرح. لذلك، حين تتقدم هادية لتقديم ليلةٍ تشارك فيها فنانة شابة مثل إنصاف فتحي، فإن الأمر يتجاوز المجاملة العابرة إلى ما يشبه الشهادة الفنية الصادقة؛ شهادة تقول ببساطة إن إنصاف ليست مجرد صوتٍ جميل، بل فنانة لها
شنة ورنّة، تعرف ماذا تغني وكيف تصل إلى جمهورها دون ضجيج أو ادعاء.
ولعل أكثر اللحظات دفئًا في تلك الأمسية كانت حين تحدثت إنصاف بعفويةٍ صادقة قائلة: «نفسي أسلِّم على هذا الحضور المميز فردًا فردًا». عبارة بسيطة لكنها حملت قدرًا كبيرًا من المحبة والامتنان، حتى بدا وكأن الفنانة تريد أن تختصر المسافة بينها وبين جمهورها في مصافحةٍ واحدة. وقد ازداد إعجاب الحاضرين بها حين تحدثت بثقة عن مشروعها الفني الذي تطمح أن يطوف كل أنحاء البلاد، حاملاً معه رؤية فنانة مهمومة بقضايا مجتمعها، ومشحونة بثقافته وتفاصيل حياته اليومية؛ فنانة تدرك أن الغناء ليس مجرد أداءٍ على المسرح، بل رسالة تمضي بين الناس وتبحث عن مكانها في وجدانهم.
وقبل الحديث عن الرعاية والدعم، لا بد من وقفة امتنان صادقة لما يقوم به تجمع الفنانين السودانيين بمصر. فوسط الظروف الراهنة التي يعيشها السودانيون في كل مكان، ظل هذا التجمع يقدّم حراكًا ثقافيًا وفنيًا لافتًا، وكأنه يعلن بإصرار أن الفن يمكن أن يكون ملاذًا وذاكرةً وسببًا للأمل في آنٍ واحد. إن ما يبذله القائمون على هذا التجمع من جهدٍ دؤوب وعملٍ متواصل للحفاظ على حضور الفن السوداني في القاهرة عملٌ يستحق التقدير، بل يمكن القول بثقة إن التاريخ سيتوقف عند هذه الجهود طويلًا، لأنها لم تكن مجرد نشاطٍ فني عابر، بل فعل وفاءٍ للثقافة السودانية في زمنٍ بالغ القسوة.
غير أن هذه الأمسية ما كانت لتكتمل دون الإشارة إلى الدور اللافت الذي تقوم به سوداني في دعم الفعل الثقافي والفني. ففي زمنٍ تتراجع فيه رعاية الفن الجاد، يظل انحياز الشركات الوطنية لمثل هذه الفعاليات أمرًا يستحق التقدير والامتنان. إن رعاية سوداني لمثل هذه الليالي ليست مجرد دعمٍ لحدثٍ عابر، بل مساهمة حقيقية في حماية الذاكرة الثقافية السودانية ومنح الفنانين مساحة يلتقون فيها بجمهورهم، حتى وهم بعيدون عن الوطن.
ولهذا، فإن الشكر هنا ليس مجاملة، بل اعتراف بدورٍ مهم: فحين يجد الفن من يسانده، يجد الجمهور أيضًا ما يليق بذائقته. وفي ليلةٍ كانت النيل شاهدًا عليها، بدا واضحًا أن الغناء السوداني ما زال بخير… ما دام هناك من يغنيه بصدق، ومن يؤمن بقيمته.



