رمضان يجمعنا… شراكة سوداني للاتصالات واتحاد تجمع الفنانين السودانيين تُضيء ليالي القاهرة..

القاهرة : سعدية الياس
في مدينةٍ تتقاطع فيها المنافي مع الأحلام، جاءت ليالي اتحاد تجمع الفنانين السودانيين بالقاهرة خلال شهر رمضان كفعل ثقافي واعٍ، لا يكتفي بالاحتفاء بالفن بل يعيد ترتيب العلاقة بين الذاكرة والواقع.
فمنذ انطلاقتها في الخامس من رمضان، بدا واضحًا أن البرنامج صُمم ليكون مساحة جامعة لكل ألوان الطيف الإبداعي السوداني.
استُهلّت الليالي بأمسية «تواصل» التي شارك فيها الفنانون علي الزين وود الزين وقدمها هشام كمال ، في رسالة رمزية بأن الفن هو أول خيطٍ يُنسج بين أبناء الجالية، وأن التواصل لا يكون بالكلمات فقط، بل بالنغم أيضًا.
كما أضاءت فرقة الأصدقاء المسرحية أمسية «مسرحة الوعي والذاكرة السودانية» في عرض جمع بين الدراما والموسيقى واللوحات التعبيرية.
وجاءت ليلة بعنوان «الفكرة والرحلة» مع الموسيقار يوسف الموصلي والفنان أحمد يوسف، حيث امتزجت التجربة الفكرية بالمسار الفني، في قراءة لمسيرة الإبداع بوصفه مشروعًا إنسانيًا يتطور ويتحوّل. كانت أمسية أقرب إلى حوار مفتوح حول معنى الموسيقى، ودورها في تشكيل الوعي الجمالي.
وفي «ليلة موسيقى الجاز» انفتح الأفق على ألوان عالمية بروح سودانية، بمشاركة صلاح براون وأيمن الربع، في تجربة تؤكد أن الهوية لا تنغلق على نفسها، بل تتحاور مع العالم وتستعير منه وتضيف إليه.
ولم تتوقف الفسيفساء عند الموسيقى وحدها؛ فقد حضرت ليالي الطمبور بمشاركة النوراني البخيت وخالد النجيب وضيف الشرف جعفر السقيد، وقدّمتها شادية عطا المنان بمعية الباحث أحمد عبدالوهاب، لتؤكد أن الطمبور ليس مجرد آلة، بل وجدان منطقة كاملة.
بينما احتفت ليلة «ما بين التراث والغناء الشعبي» برموز الموروث الأصيل. وفي جلسة «تباريح الهوى» استعاد الشاعر التيجاني حاج موسى سحر الكلمة، بمشاركة وعد عادل ووجدي مصطفى، وتقديم الأديب صلاح يوسف.
أما ليلة «بين المسرح والاستاند أب كوميدي» فقد أكدت أن الضحك أيضًا فعل مقاومة، وأن النقد يمكن أن يُقال بخفة دون أن يفقد عمقه. وتجلّت لحظة الوفاء «في حضرة الغياب» باستعادة مسيرة الراحل محمود عبد العزيز، في أمسية بدت وكأنها لقاء بين جيلين عبر أغنية لا تموت، شارك فيها الفنان الهادي الجبل والفاتح حسين وقدمها كمال يوسف.
بهذا التنوع، تثبت ليالي الاتحاد أن الثقافة ليست ترفًا رمضانيًا، بل ضرورة لبقاء الروح متماسكة في زمن التشتت. إنها مساحة يُعاد فيها تعريف الوطن، لا بوصفه مكانًا فقط، بل كحالة إبداع مستمرة… كلما غنّى فنان، أو اعتلى شاعر منصة، أو أضاء مسرحي خشبته
هذه الليالي تقول شيئًا مهمًا: إن الجالية السودانية في القاهرة لا تكتفي بالحنين، بل تصنع فعلًا ثقافيًا منظمًا يحفظ الذاكرة ويجدّدها.
وفي زمن التشتت، تبدو هذه المبادرات ضرورة وطنية قبل أن تكون نشاطًا ثقافيًا. فهي تذكّرنا بأن السودان ليس جغرافيا فقط، بل صوت طمبور، وخشبة مسرح، وقصيدة حب، وأن الذاكرة حين تجد من يصونها… تظل قادرة على الغناء.



