ثم عاد بولس مجددًا… ولكن لماذا الآن؟ بقلم.. محمد الحسن محمد نور – التايمز نيوز
رأي

ثم عاد بولس مجددًا… ولكن لماذا الآن؟ بقلم.. محمد الحسن محمد نور

عاد مسعد بولس إلى الواجهة مجددًا، متحدثًا عن اختراقات حقيقية هذه المرة، غير أنه ما يزال ناقلًا للخطاب الأمريكي القديم نفسه، بعد أن خفت حضوره مؤقتًا إثر تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، والتي بدت – في توقيتها – وكأنها تنسف فكرة “الضغط المتوازن” وتمنح الجيش السوداني هامش حركة أوسع. وقد تعزز هذا الأمر أكثر بعد مخرجات مؤتمر الاستثمار الذي جمع الرئيس دونالد ترامب بولي العهد السعودي، وما رافقه من مؤشرات على تحولات إقليمية بدت مختلفة عن المسار الأمريكي التقليدي في ملف السودان.
توقيت عودة بولس لا يبدو بريئًا. فهو يأتي في توقيت دقيق، وفي ظل تقدم ميداني واضح للجيش السوداني، وانحسار تدريجي ومضطرد لقدرات قوات الدعم السريع في عدة محاور. وهو ما أعاد واشنطن، على ما يبدو، إلى نقطة القلق الأساسية: فقدان القدرة على التأثير في مسار الصراع عبر أدواتها السياسية المعتادة.
في مقابلته مع سكاي نيوز عربية، قدّم بولس ما أسماه “إضافات جديدة”، لكنها في الجوهر إعادة تدوير لنفس الطرح، مع محاولة تغليفه بعناوين أكبر. فقد قال إن لدى واشنطن خطة سلام جاهزة، وإن اللجنة الرباعية وافقت عليها، وإن هذه الخطة ستُرفع إلى مجلس الأمن الدولي، رافق هذه النقاط حديثه بإسهاب عن الشق الإنساني، مشيرًا إلى التبرعات الأمريكية (700 مليون دولار) والإماراتية (500 مليون دولار).
لكن المستمع المتابع لهذه المقابلة لا يحتاج إلى كثير جهد ليلاحظ بوضوح أن الحديث غير متماسك سياسيًا، وأن بولس يقفز بين مسارات متناقضة. فهو من جهة يروّج لدور مجلس الأمن، ومن جهة أخرى يتجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة نفسها هي التي همّشت دور مجلس الأمن عمداً وعلنًا في ملفات أكبر وأكثر خطورة ووضوحًا: فنزويلا، إيران، غزة… بل وحتى اليمن، حيث لم تعترض واشنطن على الحسم العسكري، ولم تعرض أى وساطة، ولم تقترح أي “خطة سلام”.
هنا تحديدًا تبدأ الأسئلة المشروعة.
بولس شدد خلال المقابلة على “الآلية الأممية” ومبادرات “الرباعية”، وهو يعلم يقينًا أن الحكومة السودانية ترفض أحد أطراف هذه الرباعية تحديدًا: دولة الإمارات العربية المتحدة. وليس ذلك من باب المكايدة السياسية، بل بسبب اتهامات واضحة ومعلنة بدعم قوات الدعم السريع عسكريًا ولوجستيًا وسياسيًا. تجاهل هذه النقطة لا يمكن أن يكون سهوًا، وانما يشير إلى تعمّد أمريكي واضح لإعادة فرض وسيط مرفوض.
ولا يمكن فصل مضمون المقابلة عن المنصة التي بُثت عبرها. فقناة اسكاي نيوز عربية ليست قناة محايدة في هذا الملف، وهي مرتبطة مباشرة بالإمارات، ما يجعل الرسالة مزدوجة الاتجاه؛ فهي تُقرأ كرسالة ضغط على الحكومة السودانية، وقد تُفهم في الوقت نفسه كرسالة تطمين لحلفاء واشنطن في أبوظبي بأن نفوذهم لم يُستبعد بعد.
أما الشق الإنساني، الذي أسهب بولس في الترويج له باعتباره الوجه الأخلاقي الذي يهم واشنطن، فلا يمكن التعامل معه كتفصيل عابر. فالحكومة السودانية تنظر إلى المسار الإنساني بوصفه مدخلًا مفخخًا لإعادة تدويل الصراع، وفرض ترتيبات ميدانية جديدة – من قبيل الانسحابات، والمناطق العازلة، والإدارة الأممية – دون حسم سياسي أو عسكري حقيقي. وهو سيناريو جُرّب سابقًا وأنتج واقعًا أكثر تعقيدًا.
على التوازي، تظهر حركة دبلوماسية نشطة في الإقليم. فقد أعلن وزير الخارجية المصري موقفًا متريثًا وواضحًا، يرفض أي تسوية تُبقي المليشيات كفاعل سياسي أو عسكري. كما برزت تحركات رئيس الوزراء السوداني دكتور كامل إدريس في سويسرا، في سياق البحث عن مخرج لا يصطدم مع مفهوم الدولة. إلى جانب ذلك، تعقد اجتماعات مكثفة لوزير الخارجية السوداني، تهدف إلى إعادة تعريف الصراع دوليًا باعتباره حرب دولة ضد مليشيا، لا نزاعًا متكافئًا بين طرفين.
وسط هذا المشهد، يكرر بولس العبارة الأمريكية المألوفة: “لا يوجد حل عسكري”.
غير أن الوقائع التي شهدتها المنطقة، وتحت سمع وبصر واشنطن، تقول غير ذلك. ففي اليمن، لم تعارض الولايات المتحدة الحل العسكري عندما خدم مصالحها. وفي غزة، لم تطرح حلًا سياسيًا من الأساس. أما في أوكرانيا، فقد شجعت الحرب حتى آخر جندي.
لذلك، يصبح من حق الحكومة السودانية أن تتساءل: لماذا يصبح “الحل العسكري” محرّمًا فقط عندما يتقدم الجيش السوداني؟
هنا نصل إلى جوهر السؤال: ماذا تريد واشنطن فعليًا من السودان؟
هل تسعى إلى إعادة سيناريو التقسيم عبر بوابة إنسانية بعد أن فشل عسكريًا؟
أم إلى إعادة إنتاج سلطة مدنية ضعيفة أو موالية، على شاكلة حكومة حمدوك، قابلة للضغط والتوجيه؟
أم إلى حماية مصالح حلفائها الإقليميين الداعمين لقوات الدعم السريع؟
أم إلى تجميد الصراع عند نقطة تمنع الحسم، وتُبقي السودان ساحة مفتوحة للتفاوض والابتزاز؟
ما يقدمه مسعد بولس لا يشكّل إجابة عن هذه الأسئلة، بل يبدو أقرب إلى محاولة للهروب منها أو الالتفاف عليها. أما الواقع، فيشير بوضوح إلى أن واشنطن عادت إلى الملف لأنها بدأت تشعر بأن زمام المبادرة قد يفلت من يدها.
محمد الحسن محمد نور
الأربعاء، 4 فبراير 2026
Nourmohammed481@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى