بعد التراجع المفاجئ.. لماذا تعود واشنطن للتهديد من جديد؟ وما الرسائل التي تُرسلها إيران وحلفاؤها؟ بقلم.. محمد الحسن محمد نور – التايمز نيوز
رأي

بعد التراجع المفاجئ.. لماذا تعود واشنطن للتهديد من جديد؟ وما الرسائل التي تُرسلها إيران وحلفاؤها؟ بقلم.. محمد الحسن محمد نور

لم يكن شعار «أمريكا أولاً» مجرد خطاب انتخابي عابر، بل مشروعٌ متكامل بُني على ثلاثة أعمدة لتحقيق الكسب السريع بأقل كلفة ممكنة:
أولها عقد الصفقات، وثانيها السيطرة على احتياطيات النفط العالمية، وثالثها التحكم في الممرات البحرية، مع ضمان أمن إسرائيل باعتبارها القاعدة المتقدمة في أكثر مناطق العالم حساسية.
ويبدو أن الانطلاقة الفعلية لهذا المشروع، والتي تكللت بـ«نجاح – وفق القراءة الأمريكية،» في فنزويلا، ما كان له أن يحدث إلا عبر تفاهمات ضمنية مع الصين وروسيا، جرى بموجبها تعويضهما في ساحات أخرى مثل الدونباس، وتايوان، وبحر الصين الجنوبي. وقد بدا ذلك واضحاً في برود ردود فعلهما، رغم خسارة الصين لأحد أهم مصادرها النفطية، وخسارة روسيا واحداً من أبرز حلفائها في المنطقة.
غير أن نشوة الانتصار والزهو المفرط قد دفعت بواشنطن هذه المرة إلى التصرف منفردة، بما ينسجم مع سلوك رئيس أمريكي مولع بالمغامرة ودفع العالم إلى حافة الهاوية: إما كسب سريع، أو اختبار مفتوح. فحشدت القوات، ورفعت منسوب التهديد، وتحدثت عن «عملية سريعة ونظيفة». فقفز السؤال: إذا كان ذلك كذلك، فما الذي يبرر كل هذا الحشد؟ وهل تحتاج عملية محدودة، شبيهة بعملية فنزويلا، إلى هذا الاستنفار الهائل؟
لم يتأخر الجواب كثيراً. فقد تراجعت واشنطن فجأة.
فلماذا تراجعت ؟
فعلى الرغم من حدوث التراجع الأمريكي بسرعة وعلى عجل، إلا أنه لم يكن ارتجالياً، بل جاء – على الأرجح – نتيجة تقييم استخباراتي وعسكري لمجموعة عوامل متشابكة:
أولها نظرية “العتبة النووية”. فإيران، وفى ظل حشرها فى الزاوية، راحت تتبع استراتيجية الاقتراب من العتبة النووية دون تجاوزها علناً، على غرار «الخيار النووي الياباني». لكن في لحظة الأزمة، بثت إشارات – متعمدة أو غير متعمدة – بأنها قادرة على تنفيذ «اندفاعة نووية سريعة» خلال أسابيع. هذا الاحتمال وحده كفيل بتحويل أي ضربة إلى مقامرة كارثية.
ثانياً، الغموض الإيراني المقصود. رصدت الاستخبارات الأمريكية تحركات غير اعتيادية حول منشآت نووية، شملت إعادة تموضع، وتعزيزات أمنية، وربما اختبارات غير معلنة. هذا الغموض لا يهدف إلى الإعلان، بل إلى الردع.
ثالثاً، حرب الاستنزاف الإقليمية الموسعة.
إيران كثّفت نشر صواريخ باليستية بعيدة المدى على منصات متنقلة، مع احتمالية تفويض جزئي للقادة الميدانيين. بالتوازي، جرى رفع جاهزية الحلفاء: حزب الله في لبنان، الحوثيون في اليمن، والفصائل العراقية. أي ضربة لإيران كانت ستشعل المنطقة دفعة واحدة.
إلى جانب ذلك، أعادت طهران التلويح بورقة مضيق هرمز، عبر مناورات بحرية أظهرت قدرة حقيقية على تعطيل الملاحة، فضلاً عن تلويح غير مباشر بإمكانية دفع موجات لجوء ضخمة باتجاه تركيا وأوروبا.
الرسالة الروسية: تغيير قواعد الاشتباك
التحول الأخطر جاء من موسكو. فبحسب تصريحات الدبلوماسي الروسي المخضرم فياتشيسلاف ماتوزوف، لم يعد الموقف الروسي مجرد دعم سياسي، بل اقتراب من إعادة تعريف إيران كـ«منطقة نفوذ مجاورة»، لا كحليف بعيد.
وأُرسلت الرسالة بوضوح عبر الإعلان العلني والقيام فعلياً بتزويد إيران بمنظومات دفاع جوي متطورة، ما يعني أن أي هجوم جوي أمريكي أو إسرائيلي سيواجه خسائر ملموسة. كما نقلت المناورات الروسية–الإيرانية المشتركة التعاون من المستوى السياسي إلى العملياتي، مع احتمال تبادل معلومات استخباراتية وحتى تنسيق ميداني.
بعض التحليلات ذهبت أبعد من ذلك، متحدثة عن رفع سقف الضمانات الردعية على غرار «نموذج بيلاروسيا»، وهو – إن صح – فسوف يرفع مستوى المخاطرة إلى حدود غير مسبوقة.
الصين تدخل على خط الردع
ففي بحر العرب والمحيط الهندي، ظهرت الصين كلاعب مباشر عبر مناورات بحرية مشتركة مع إيران وروسيا، مترافقة مع أنباء عن تحرك قطع بحرية صينية متقدمة نحو المنطقة. هذه ليست تدريبات روتينية، بل رسائل ردع استراتيجية.
ثم أن بكين لوّحت – ولو بشكل غير مباشر – بعقوبات اقتصادية مضادة، أو باستخدام ورقة سندات الخزينة الأمريكية، فهى لن تتوانى عن حماية استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الإيرانية ضمن مشروع «الحزام والطريق». الرسالة الصينية واضحة: أمن الطاقة في الخليج ليس شأناً أمريكياً خالصاً، وأي اضطراب قد يُواجَه في ساحات أخرى، سيما بحر الصين الجنوبي.
عوامل إضافية أخرى أربكت الحسابات الأمريكية، فقد طرحت بعض الدوائر مسألة الغموض المحيط بالموقف الباكستاني، حيث تتداول بعض التحليلات – دون تأكيد – فرضية وجود ضمانات ردعية غير مباشرة لطهران من دولة نووية جارة مسلمة. حتى لو بقي هذا في إطار التخمين، فإنه يظل رقماً مقلقاً في حسابات واشنطن.
كما أن شبكة الردع الإقليمية الجاهزة، والتصريحات العلنية لحزب الله وحلفائه، أكدت أن الحرب – إن اندلعت – لن تكون محدودة، بل إقليمية شاملة، تستهدف المصالح الأمريكية وحلفاءها في آن واحد.
لماذا عادت واشنطن إلى التهديد؟
رغم التراجع وتبدل اللغة، سرعان ما عادت واشنطن إلى خطاب أكثر حدّة. هذا لا يعكس بالضرورة نية حقيقية للحرب، بقدر ما يشير إلى استراتيجية ضغط متعددة الأوجه:
أولاً، منع إيران وحرمانها من تفسير التراجع على أنه ضعف.
ثانياً، استخدام التهديد كورقة تفاوض في قنوات خلفية غير معلنة.
ثالثاً، محاولة خلخلة تشكل محور إقليمي–دولي جديد (إيران–روسيا–الصين) الذى يهدد النفوذ الأمريكي التقليدي.
السيناريو الأرجح: حرب باردة إقليمية
المشهد العام يوحي بدخول المنطقة مرحلة «حرب باردة إقليمية» تتسم باشتباكات بالوكالة، وتصعيد مدروس، وتوازن ردع هش. الجميع يتحرك كما في رقعة شطرنج، حيث أي خطأ حسابي قد يفجر حرباً شاملة غير مضمونة العواقب.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً:
إلى متى يمكن الحفاظ على هذا التوازن غير المستقر، في ظل تصاعد التحالفات، وعودة لغة التهديد، وارتفاع نسبة هوامش الخطأ؟
محمد الحسن محمد نور
الثانى من فبراير ٢٠٢٦
Nourmohammed481@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى