ميرغني أبشر يكتب… لماذا يُروَّج لفكرة فصل دارفور وكردفان بوصفها حلاً؟ – التايمز نيوز
رأي

ميرغني أبشر يكتب… لماذا يُروَّج لفكرة فصل دارفور وكردفان بوصفها حلاً؟

ومتى يُعاد إنتاج مقولة: «ماتوا فطايس»؟

في الغرف المغلقة، ومجالس الصفوة الحزبية، ومجموعات التواصل الخاصة، يتداول أنصار التيار الإسلامي في صيغته الحزبية الأخيرة، المتمثلة في المؤتمر الوطني المنحل، خطاباً متنامياً يروّج لفكرة الانفصال الجغرافي بوصفه حلاً لأزمة السودان المزمنة. إن كردفان ودارفور تُقدَّمان بوصفهما عبئاً بنيوياً على الدولة، وأقاليم «لا تشبهنا»، في إيحاءٍ يسعى إلى ترسيخ سذاجة مفادها أن الاستقرار يمكن أن يُبنى على الاستبعاد، وأن الجغرافيا البشرية، بما تنطوي عليه من تنوع اجتماعي وثقافي، قابلة للإدانة الأخلاقية.
هذا الطرح لا يستند إلى تحليل اجتماعي أو قراءة تاريخية رصينة، وإنما يقوم على تبسيط فجّ، يتجاهل الطبيعة الفسيفسائية للمجتمع السوداني. فلو كان معيار «التشابه» الثقافي أو العرقي هو الأساس، لما استقامت الدولة أصلاً. فأهل الشرق من البجا، وعرب الوسط، وقبائل النيل الأزرق، وسكان الشمال بمختلف أعراقهم، والجعليون، وسواهم، يشكّلون نسيجاً اجتماعياً متداخلاً، قائماً على التصاهر والتقاطع البشري، يتفاوت في درجاته من مكان إلى آخر، وهو نسيج أبعد ما يكون عن النقاء أو التماثل الذي يتوهمه دعاة الفصل. غير أن غياب ثقافة الإحصاء الاجتماعي، والقراءة العلمية للتركيبة السكانية، أتاح لهذا الخطاب أن يمر دون مساءلة، رغم هشاشته البنيوية.
التيار الإسلامي، على عكس كثيرين، يعي هذه الحقائق جيداً. ويدرك، أكثر من غيره، أن دعوات فصل دارفور وكردفان لا علاقة لها بالهوية أو الثقافة، وإنما ترتبط بحسابات السلطة الخالصة. فوفق آخر إحصاء موثوق للحضور الانتخابي للإسلام السياسي في هذين الإقليمين، وهما من أكثر مناطق السودان تمسكاً بتعليم القرآن، لم تحصد الجبهة الإسلامية القومية سوى أربعة مقاعد فقط من أصل ثمانية وسبعين مقعداً نيابياً، في انتخابات ذهبت غالبيتها الكاسحة إلى حزب الأمة القومي آنذاك. هذه الحقيقة وحدها تفسر لماذا ظل الإقليمان، تاريخياً، حاجزاً صلباً أمام طموحات التفرد بالسلطة، ولماذا أصبح التخلص منهما حلماً سياسياً مؤجلاً بعد التخلص من الجنوب.
وما يتجاهله هذا الخطاب عمداً أن ظاهرة الحركات المسلحة في دارفور وكردفان، وعدم استقرار السودان عموماً، ارتبطت ارتباطاً مباشراً بصعود الإسلام السياسي إلى واجهة الحكم. بدأت المقدمات مع قوانين سبتمبر، حين جرى تنصيب جعفر نميري “إماماً للمسلمين”، في مسرحية سياسية حولت الدولة إلى أداة أيديولوجية، ثم تفاقم الأمر مع انقلاب عام 1989، الذي أطاح بالديمقراطية وفتح الباب واسعاً أمام عسكرة السياسة وتديين الصراع. صحيح أن جذوة التمرد كانت موجودة في سياقات بعيدة، كما في تجربة إبراهيم دريج، غير أن التحول الكارثي جاء مع وصول هذا التنظيم إلى السلطة، لا قبله.
هذه ليست قراءة انتقائية للتاريخ، وإنما حقيقة ينبغي تمليكها للأجيال الجديدة، وتذكير من عاصرها بها: أسباب عدم استقرار السودان، وفصل الجنوب، ثم التمهيد النفسي والسياسي لدعوات فصل دارفور وكردفان، لا تعود إلى أسباب عرقية أو ثقافية، وإنما إلى بروز الإسلام السياسي، بأسمائه المتغيرة وواجهاته المتبدلة، بوصفه فاعلاً مهيمناً في الدولة. ومن هنا، يصبح غيابه، أو تغييبه عن المشهد السياسي، أحد أكثر الحلول واقعية وجدوى لمعالجة المأزق السوداني.

السؤال الذي يتهرب منه دعاة الانفصال هو سؤال التجربة. هل أدى فصل الجنوب إلى سلام واستقرار؟ الواقع يجيب بوضوح: المزيد من التوترات، وصراعات مفتوحة، وحروب بالوكالة بين الدولتين. جوبا، التي وُلدت من رحم الانفصال، أصبحت لاعباً مؤثراً في الصراع السوداني، ولها حضور مباشر في المشهد منذ ما سُمّي بـ«سلام جوبا». فإذا كان هذا هو مآل أول تجربة انفصال، فما الذي يُنتظر من فصل غرب السودان؟
ثم تأتي الجغرافيا لتدحض الوهم مرة أخرى. جوبا دولة بلا منفذ بحري، ولا نيالا. والتوترات المتصاعدة في القرن الإفريقي، من الصومال إلى إريتريا، بسبب سعي إثيوبيا إلى منفذ بحري، تقدم مثالاً حياً على أن التفكيك لا يصنع استقراراً، وإنما يراكم الأزمات. وحدة السودان، بكل تعقيداتها، تظل الشرط الأكثر عقلانية لأي مشروع استقرار طويل الأمد.
يبقى البعد الأخطر في هذا المشهد هو اختراق القيادة الفكرية لهذا التنظيم، وارتهانها لمشاريع تفتيت إقليمي تخدم، في المدى البعيد، مخططات تقسيم وتجزئة الأقطار العربية، وإضعاف كل ما يمكن أن يشكل سنداً للقضية الفلسطينية.

المفارقة أن هذا التنظيم يسوق قواعده، وقياداته، إلى نهايات مأساوية، كما فعل سابقاً حين أُحرقت أجيال كاملة من شباب السودان في الجنوب، ثم قيل عنهم ببرود أخلاقي صادم: «ماتوا فطايس».
اليوم يُعاد إنتاج الخطاب نفسه، مع اختلاف الجغرافيا. والنتيجة المتوقعة واحدة، ما لم يُكسر هذا المنطق من جذوره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى