سلام السودان أم حرب “الكيزان”؟ بقلم: محمد الحسن أحمد

وضعت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبير مستشاريه مسعد بولس السودانَ على مفترق طرق؛ أولهما سلامٌ يعم البلاد، وثانيهما حربٌ تعيد للحركة الإسلامية ألقها وسلطتها، ولو على أجزاء من البلاد.
أعقب تصريحُ ترامب تصريحاً لبولس، حيث أوضح الأول أن واشنطن توشك على تحقيق هدف إنهاء الحرب في السودان، فيما قال بولس: “نحن بصدد الانتهاء من الصياغة الأخيرة للحل في السودان انطلاقاً من الهدنة”.
إذاً، تقترب حمائم السلام من التحليق فوق سماء السودان بقوة دفع دولية وإقليمية، في ظل غياب فاضح للإرادة الوطنية المنقسمة بين الطرفين، أو تلك التي تخضع للابتزاز وخطابات التخوين “الإخوانية”. لكن ذات السماء الموعودة بالتحليق ملبدة بالغيوم والمسيّرات و”صقور الظلام” التي لا تريد للسودان خيراً ولا سلاماً، وأبرزها بالقطع جماعة الإسلام السياسي من “الكيزان” ومن شايعهم في حربهم المشؤومة.
من نافلة القول التذكير برفض “الكيزان” لكل محاولات وقف الحرب عبر منابر جدة وجيبوتي والمنامة وجنيف وغيرها؛ فالإسلاميون وجدوا في هذه الحرب التي أشعلوها ضالتهم لاستعادة سلطتهم الغاشمة، وهم يدركون تماماً أن إحلال السلام يمثل تهديداً لوجودهم. وهنا يتجلى مدى فداحة واقعهم ومستقبلهم الرهين بالخراب، حتى وإن أدى ذلك لتلاشي السودان.
كما أنه معلوم للكافة سيطرة “الكيزان” على ما يسمى بالمؤسسة العسكرية وتجييرها لخدمة أفكارهم، وهو ما أثبتته وقائع الحرب ومجريات الأوضاع الداخلية والخارجية. لذا، فإن بقاء تلك السيطرة يعني فناء السودان، مما يستلزم فض “العلاقة السيامية” ما بين العسكر وقادتهم من الإسلاميين. وحتى في حال فضها، تبقى قدرتهم على إجهاض محاولات السلام قائمة ما داموا يمتلكون السلاح والأدوات، وهنا تبرز الحاجة الملحة لتجريد الإسلاميين من أدوات التخريب، وكبح شهواتهم العدوانية، وعزلهم عن المشهد السياسي.
ثمة أمر آخر يشكل تهديداً صريحاً لاتفاق السلام الوشيك -بحسب تصريحات الإدارة الأمريكية- وهو التقاطعات الإقليمية بشأن الراهن السوداني. ومما لا شك فيه أن دولة واحدة جارة على الأقل لديها مصلحة مباشرة في استمرار الحرب، مضافاً إليها دول من خارج “الرباعية” مثل تركيا وقطر، التي لديها مصالح في استمرار التيار الإسلامي في السودان وديمومة سلطته، باعتبار أن السودان أصبح الملاذ الأخير للجماعات الإسلامية.
لقد شخصت دول الرباعية الأزمة السودانية ووضعت أصبعها على موضع الداء، ألا وهو “التيار الإسلامي العريض” المريض، منذ أن وضعت خارطة طريق لإحلال السلام. لكن محاولات اجتثاث المرض تبدو أقل بكثير من حجم الإصابة التي أصابت السودان في مقتل وتوشك أن تفتت ترابه. لذا، فإن إجراء “جراحات عاجلة” على المنظومة العسكرية في المبتدأ تبدو ضرورية لنجاح الهدنة الإنسانية، ومن ثم الانخراط في مشوار إنهاء الحرب واستعادة الانتقال الديمقراطي، وصولاً إلى حل جذري يسكت صوت الرصاص إلى الأبد.

