العسكر : سلطة بلا شرف بقلم.. د التوم حاج الصافي زين العابدين
مايثير الاستغراب حدّ الصدمة، بل الغضب، أن ترى ضباطًا في الجيش، وهم يشكّلون الغالبية، يتحدثون بلا مواربة بلسانٍ حزبي أيديولوجي كيزاني واضح، ثم ينكرون في اللحظة نفسها تسييس المؤسسة العسكرية، ويطالبونك باحترامها باعتبارها مؤسسة وطنية مهنية ومحايدة. أي وقاحة سياسية هذه؟ وأي استخفاف بعقول الناس؟ كيف يمكن لمؤسسة تدّعي القومية أن تتكلم لغة حزب، وتوزّع صكوك الوطنية، وتمنح نفسها حصانة أخلاقية زائفة؟
هؤلاء أنفسهم لا يكفون عن شتم ثورة ديسمبر، رغم أنهم بالأمس القريب ادّعوا الانحياز لها لأنها «تمثل صوت الشعب»، قبل أن تكشف الأيام، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن الجيش لم ينحز يومًا واحدًا للشعب، بل انحاز دائمًا لمصالحه، ولمصالح جنرالاته، ولموائد المال والفساد والامتيازات. انحاز للسلطة ضد المواطن، وللسلاح ضد السياسة، وللقوة الغاشمة ضد أي مسار ديمقراطي.
الواقع أثبت أن هذا الجيش لا يمكن أن يحمي ديمقراطية، لأن الديمقراطية تفضحه، وتجرّده من امتيازاته، وتضعه تحت الرقابة المدنية والمساءلة القانونية. ولهذا كان طبيعيًا أن يفضّل الأيديولوجيا والشمولية، لأنهما تقدّمان للعسكر ما يشتهونه: سلطة مطلقة، ومالًا بلا حساب، ونفوذًا بلا مساءلة. هذه ليست قراءة نظرية، بل خلاصة تجربة سودانية مريرة وممتدة.
والأخطر أن المدنيين أنفسهم تحوّلوا في هذه الحرب إلى سلعة سياسية رخيصة. ما جرى في الخرطوم من قصف للأحياء وترك السكان لمصيرهم، وما حدث في الجزيرة من انهيار أمني وجرائم علنية، وما يحدث في دارفور وكردفان من قتل وتهجير على مرأى ومسمع العالم، كلها وقائع معروفة للرأي العام، موثقة ومكررة. ومع ذلك، لم يكن هناك سوى الصمت، أو التبرير، أو تحميل الضحايا المسؤولية. هكذا بيع المدنيون مرة بالصمت، ومرة بالمساومة، ومرة بخطاب بارد يتحدث عن «تعقيدات الميدان».
أما الحرائر، فالمأساة هنا فاضحة أخلاقيًا بلا مواربة. في الوقت الذي ارتفعت فيه شعارات «حماية الشرف» و«الدفاع عن العرض»، كانت النساء يتعرضن لانتهاكات جسيمة واغتصابات موثقة، يعرفها السودانيون جميعًا، وشهدت عليها منظمات حقوقية دولية وشهادات ناجيات لا يمكن إنكارها. لم نرَ جيشًا يحمي، ولا قيادة تحاسب، بل رأينا استثمارًا رخيصًا في أجساد الضحايا، يُستدعى عند الحاجة للتعبئة والتحريض، ثم يُطمس ويُدفن عند المطالبة بالعدالة. من يعجز عن حماية النساء والأطفال، ثم يرفض التحقيق والمساءلة، لا يملك أي حق أخلاقي في الحديث عن الشرف. الشرف لا تحميه الهتافات، بل تحميه دولة قانون ومؤسسات عدل. ولاتزال جلالة الجيش الشهيرة (الجرية عيب وشينة) تردد بلا خجل
ثم جاءت المتاجرة القذرة بفكرة «العودة الآمنة». وعود تُكرَّر للإعلام بلا خجل، بينما الواقع على الأرض يقول إن الأمن غائب، والبيوت منهوبة، والخدمات معدومة، والناس يُتركون لمصيرهم بلا حماية ولا ضمان. آلاف عادوا ليكتشفوا أنهم خُدعوا بشعار فارغ وكذبة رسمية. هذه ليست أخطاء عارضة ولا هفوات فردية، بل سياسة ممنهجة من الاستهتار بأرواح الناس وكرامتهم.
مأساة السودان الحقيقية أن الجيش مختطف بالكامل، ولا مجال بعد اليوم للإنكار أو التجميل. خطاب كثير من ضباطه وجنوده لا يشبه خطاب الجيوش المحترفة في الدول المحترمة، بل يشبه خطاب حزب سياسي أيديولوجي بامتياز. ومع ذلك، يُطلب من الناس أن يصدّقوا أنه «جيش لكل السودانيين»، وأن يمنحوه الدعم الأعمى والاحترام غير المشروط.
لكن الحقيقة الواضحة أن لا عاقل يمكن أن يدعم حزبًا سياسيًا يرتدي زيّ الجيش، ولا جيشًا يتحدث بلسان الحزب ثم يطالب بالحصانة من النقد والمساءلة. وسيظل السودان يدفع ثمن الخراب والدمار والفساد ما دام هذا الجيش مصرًّا على التسلّط فوق رقاب الأبرياء، وفاشلًا في أداء أبسط واجباته: حماية المدنيين. فما حدث في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان ما كان ليحدث لو كان في هذا البلد جيش حقيقي بعقيدة وطنية لا أيديولوجية.
والأدهى والأمرّ أن هذا الجيش يحاول غسل عاره بالشعارات والهتافات، بينما تكشفه الصورة الماثلة الآن بلا رحمة: مؤسسة فقدت بوصلتها الوطنية، وتحولت من حامٍ للدولة إلى أحد الأسباب الرئيسية في تدميرها.
د التوم حاج الصافي زين العابدين .خبير علاقات دولية



