تهديدات بوجود قنابل من جهات مجهولة تجتاح أوروبا.. ماذا نعلم عن موجة الإنذارات التي أربكت المطارات والمؤسسات الإعلامية؟

وكالات – التايمز نيوز
تشهد أوروبا موجة من التهديدات بوجود قنابل، استهدفت مطارات وشركات طيران ومؤسسات إعلامية في عدد من الدول، مما تسبب في اضطراب حركة الرحلات الجوية وإخلاء بعض المباني، ودفع السلطات إلى تكثيف إجراءاتها الأمنية للتحقق من طبيعة هذه التهديدات والكشف عن الجهات التي تقف وراءها.
وشهد يوم الجمعة تطورات جديدة، بعدما تلقت مطارات في الدنمارك وجمهورية التشيك تهديدات تتعلق بسلامة حركة الملاحة الجوية، فيما قامت هيئة البث الوطنية الأيرلندية (RTÉ) بإخلاء مكاتبها عقب تلقي تهديد بوجود قنبلة، وأعلنت مؤسسات إعلامية أخرى، من بينها شبكة «سكاي»، تلقيها تهديدات مماثلة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من الهجمات الهجينة، التي سبق أن حمّلت السلطات في بعض الحالات روسيا المسؤولية عنها، رغم عدم وضوح الجهة التي تقف وراء موجة التهديدات الأخيرة حتى الآن.
### ما الجهات المستهدفة؟
بدأت التهديدات باستهداف المطارات وشركات الطيران، إذ أعلنت الشرطة في الدنمارك وجمهورية التشيك، الجمعة، تلقي تهديدات جديدة ضد حركة الملاحة الجوية في مطاري كوبنهاغن وبراغ.
وفي المجر، أعلن وزير الدفاع أن طائرات مقاتلة رافقت ثلاث طائرات كانت تحلق في المجال الجوي للبلاد، عقب ورود بلاغات عن وجود تهديدات صباح الجمعة.
كما أكدت السلطات الهولندية لهيئة البث الوطنية (NOS) إخضاع طائرة تابعة لشركة «كي إل إم»، كانت قادمة من براغ إلى أمستردام، للتفتيش فور هبوطها، دون العثور على أي متفجرات على متنها.
وجاء ذلك بعد تعرض ما لا يقل عن 14 رحلة جوية أخرى لتهديدات مماثلة الخميس.
ولاحقاً، امتدت التهديدات إلى المؤسسات الإعلامية، خصوصاً في أيرلندا، حيث كشف مراسل هيئة الإذاعة الأيرلندية (RTÉ) عن مقتطفات من رسالة بريد إلكتروني تلقتها المؤسسة، ادعى مرسلها التخطيط لتفجير طائرات وسفن سياحية ومحطات مترو أنفاق وقطارات في أوروبا.
وتضمنت الرسالة تهديداً بتفجير عبوة ناسفة داخل مبنى الهيئة خلال 45 دقيقة، في محاولة لإجبار العاملين على إخلائه.
### كيف وُجّهت التهديدات؟
لا تزال تفاصيل الطريقة التي نُفذت بها التهديدات غير واضحة بالكامل، إلا أن السلطات التشيكية والإيطالية أشارت إلى استخدام البريد الإلكتروني في إرسال عدد منها.
وقال ممثل عن مطار فاتسلاف هافيل في براغ لشبكة CNN إن التهديدات المتعلقة بوجود قنابل على متن أربع رحلات جوية وصلت عبر رسائل بريد إلكتروني مجهولة المصدر.
وأوضح متحدث باسم الشرطة التشيكية أن الرسالة كانت موجهة إلى المطار، مشيراً إلى تلقي مطارات أخرى في أوروبا رسائل مشابهة.
أما التهديدات المتعلقة بالرحلات المتجهة إلى إيطاليا، فقد وردت في رسالة إلكترونية أرسلتها مجموعة مناهضة للنسوية تطلق على نفسها اسم «الدولة الذكورية»، إلى شركة لوجستية تعمل مع مطار روما فيوميتشينو.
وتضمنت الرسالة ادعاءً بوجود عبوات ناسفة على متن رحلتين جويتين، إحداهما قادمة من هلسنكي والأخرى من دبلن، ونشرت قناة «سكاي تي جي 24» صورة للرسالة، فيما أكد متحدث باسم المطار لشبكة CNN صحتها.
وبحسب المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، وهو مركز أبحاث مقره هولندا، تأسست حركة «الدولة الذكورية» في روسيا عام 2016 باعتبارها حركة معادية للنساء، قبل أن تبرز لاحقاً بوصفها داعماً صريحاً للحرب في أوكرانيا.
وفي عام 2021، حظرت محكمة روسية المجموعة وصنفتها منظمة متطرفة.
وتعتمد المطارات الأوروبية خططاً للتعامل مع التهديدات المتعلقة بوجود قنابل، وتجري تدريبات دورية على كيفية الاستجابة لها.
وقال كيث جيفريز، المدير السابق للأمن الفيدرالي في مطار لوس أنجلوس الدولي، لشبكة CNN، إن المطارات تمتلك خططاً لإدارة مثل هذه التهديدات، وتدرب العاملين على تنفيذها، بما يسمح باتخاذ القرارات خلال ثوانٍ معدودة.
وشدد على أنه لا توجد سلطة طيران يمكنها تجاهل أي تهديد بوجود قنبلة، حتى إذا تبين لاحقاً أنه غير حقيقي.
### من يقف وراء التهديدات؟
لم تحدد أي دولة أوروبية حتى الآن الجهة المسؤولة عن موجة التهديدات، كما لم تعلن السلطات وجود دليل قاطع يربط جميع الحوادث ببعضها.
وأشار محللون أمنيون ومسؤولون حكوميون إلى احتمال أن تكون هذه الحوادث جزءاً من حملة أوسع للهجمات الهجينة، أو سلسلة من عمليات الخداع المتعمد التي تستهدف إرباك المؤسسات الأوروبية.
ورجّح إريك شاوتن، رئيس مجموعة «ديامي» لأمن الطيران، وقوف مخربين يعملون لصالح الدولة الروسية وراء هذه التهديدات.
ونقلت وكالة «رويترز» عنه قوله إن هذه العمليات تتوافق مع نهج الجهات المرتبطة بالدولة الروسية، والرامي إلى زعزعة استقرار أوروبا، مشيراً إلى أن أنشطة مشابهة استهدفت في السابق السكك الحديدية والبنية التحتية الغذائية، بما في ذلك اختراق أنظمة التبريد.
ولفت إلى أن عدداً من الدول التي تعرضت للتهديدات قدمت دعماً لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.
من جانبها، أشارت وزارة الخارجية الألمانية إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وقالت إن أمن أوروبا يتعرض للاختبار في مناطق تتجاوز بكثير خط المواجهة في أوكرانيا.
واستشهدت الوزارة بتهديدات القنابل والهجمات الإلكترونية التي استهدفت أنظمة التبريد في المتاجر الكبرى، إلى جانب الطائرات المسيّرة التي اخترقت المجال الجوي لبعض الدول الأوروبية.
وفي السياق ذاته، قال وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إن الافتراض الأكثر منطقية هو أن أوروبا تواجه محاولة عدوان هجين وشكلاً من أشكال الحرب النفسية.
أما وزيرة النقل البريطانية هايدي ألكسندر، فوَصفت التهديدات بأنها «خدعة خبيثة»، بينما تجنبت السلطات الأيرلندية تحديد الجهة المسؤولة.
وقال المسؤول الأيرلندي سايمون هاريس، في تصريحات لإذاعة «كورك 96 إف إم»، إن السلطات لا تعرف حتى الآن ما إذا كان هناك فرد يقف وراء التهديدات التي استهدفت وسائل الإعلام، أم أنها جزء من جهد منسق.
### ما حجم التأثير؟
رغم حالة الاستنفار الأمني والاضطرابات التي شهدتها عدة دول أوروبية، ظل التأثير محدوداً نسبياً حتى الآن، إذ لم يُعثر على أي عبوات ناسفة في المواقع أو الطائرات التي جرى تفتيشها.
لكن التهديدات تسببت في اضطراب حركة المسافرين، وتأثر ركاب وأطقم ما لا يقل عن 14 طائرة الخميس، من بينها رحلة تابعة لشركة «إير لينغوس» كانت متجهة إلى روما، واضطرت إلى تغيير مسارها نحو فرنسا.
كما حُوّلت رحلتان قادمتان من إسبانيا والدنمارك إلى العاصمة البلغارية صوفيا.
وتأتي هذه التطورات بعد تغيير مسار سبع رحلات جوية على الأقل الثلاثاء، بسبب تهديدات مماثلة.
ويحذر محللون من أن الهدف من هذه العمليات قد لا يكون تنفيذ تفجيرات فعلية، بقدر ما يتمثل في تعطيل حركة الطيران، واستنزاف الأجهزة الأمنية، واختبار قدرة شركات الطيران والسلطات على التعامل مع الأزمات.
وقال إيليران ألموغ، الرئيس التنفيذي لشركة «سيفييشن» المتخصصة في الأمن السيبراني للطيران، لوكالة «رويترز»، إن تهديدات قطاع الطيران تتزامن مع هجمات إلكترونية استهدفت أنظمة التبريد في متاجر السوبر ماركت في أنحاء أوروبا.
وأضاف أن استهداف الخدمات الأساسية وإحداث اضطرابات فيها يتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة، وقد يؤدي إلى تقويض ثقة الجمهور في قدرة المؤسسات على ضمان سلامته واستمرار الخدمات.
وبينما تواصل السلطات الأوروبية التحقيق في هذه الحوادث، لا تزال هوية الجهة التي تقف وراء موجة التهديدات مجهولة، وسط مخاوف من اتساع نطاق الهجمات الهجينة وتأثيرها على أمن المطارات والبنية التحتية الحيوية في القارة الأوروبية.



