قلم رصاص .. “سماح طه”..النقابة ليست حزباً سياسياً.. لا تهدموا بيت الصحفيين!

ما يحدث داخل أوساط الصحفيين السودانيين، وما يرافق أداء نقابتهم من تجاذبات واعتراضات متكررة، يدعو إلى وقفة جادة لمراجعة طبيعة العلاقة التي نريدها بين الصحفي والنقابة، وبين الاختلاف المهني والانتماء السياسي.
فلم يعد يمر موقف أو خطوة تتخذها نقابة الصحفيين السودانيين دون أن يخرج من بيننا من يعترض، أو يصدر بياناً رافضاً، أو يحاول جر النقابة إلى الاتجاه الذي يراه متوافقاً مع موقفه السياسي أو رؤيته الخاصة. وكأن المطلوب من النقابة أن تتحرك وفق بوصلة كل صحفي على حدة، لا وفق مصالح القاعدة الصحفية التي جاءت بها.
وآخر هذه التجاذبات ما أُثير بشأن مشاركة نقيب الصحفيين في جلسة الحوار السوداني السوداني، وهي المشاركة التي فجرت موجة من الاعتراضات، وصل بعضها إلى إصدار بيانات علنية رافضة، بدلاً من الاحتكام إلى الأطر التنظيمية داخل النقابة، ومناقشة الأمر عبر مؤسساتها.
وهنا لا بد من طرح سؤال: هل أصبحت كل خطوة تتخذها النقابة مطالبة بالحصول على موافقة سياسية مسبقة من هذا التيار أو ذاك؟ وهل المطلوب أن تكون النقابة امتداداً لمواقفنا السياسية، أم مؤسسة مهنية مستقلة تجمعنا رغم اختلافاتنا؟
نعم، نحن ضد الحرب، ونعم، لدينا مواقف واضحة من السلطة والحكومة، ولا يعني ذلك أننا مطالبون بتغيير قناعاتنا أو التنازل عن مواقفنا. لكن علينا أن نفرق بين موقفنا السياسي من السلطة، وبين كيفية التعامل مع واقع سياسي قائم، لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه.
هناك سلطة أمر واقع موجودة، وقد ظلت في مواقف سابقة رافضة للاعتراف بنقابة الصحفيين السودانيين. ولذلك، فإن دعوتها لنقيب الصحفيين الأستاذ عبد المنعم أبو إدريس، ومشاركته في جلسة الحوار، يمكن قراءتها باعتبارها اعترافاً ضمنياً بوجود النقابة وبمكانتها التمثيلية، حتى وإن لم يكن ذلك اعترافاً رسمياً أو كاملاً بشرعيتها.
وبالنسبة لي، أرى في هذه الخطوة مكسباً للنقابة، لا لأن السلطة منحتها شرعية، فالشرعية لم تأت من السلطة حتى تنتظر اعترافها، وإنما اكتسبتها النقابة من قاعدتها الصحفية، ومن التفويض الذي حصلت عليه، ومن حضورها المهني والحقوقي، وما حققته من اعتراف وتقدير على المستويين الإقليمي والدولي.
إن التعامل مع سلطة الأمر الواقع لا يعني بالضرورة الاصطفاف معها، كما أن الجلوس في منصة حوار لا يعني تبني مواقف المشاركين فيها. فالنقابة ليست حزباً سياسياً، وليست طرفاً في معركة السلطة، وإنما هي كيان مهني معني بالدفاع عن حقوق الصحفيين وحرياتهم، وبأن يكون للصحافة المستقلة صوت حاضر في كل مساحة يمكن أن تتيح لها التعبير عن قضاياها.
المؤسف أن بعض الشقوق التي تتسع داخل جسد النقابة تأتي من زملاء يريدون لها أن تعبر عن انطلاقاتهم السياسية، وأن تتبنى مواقفهم، وأن تتحرك وفق حساباتهم الخاصة. وهنا تكمن المشكلة؛ لأن النقابة التي تتحول إلى ساحة لتصفية المواقف السياسية تفقد تدريجياً قدرتها على جمع الصحفيين تحت مظلة مهنية واحدة.
نحن صحفيون ولسنا ساسة. ومهمتنا ليست أن نصطف مع هذا الطرف أو ذاك، ولا أن نحاكم كل حدث من زاوية موقفنا السياسي وحده. نحن مع الحريات الصحفية، ومع استقلال الصحافة، ومع حق الصحفي في الوصول إلى المعلومة ونشرها، ومع حماية الصحفيين من الانتهاكات، ومع المهنية التي تجعل الخبر خبراً، والحقيقة حقيقة، بعيداً عن الرغبات والأجندات.
ليس مطلوباً من الصحفي أن يتخلى عن قناعاته السياسية، فهذا حقه، لكن ليس من حقه أن يفرضها على نقابة تضم صحفيين مختلفين في رؤاهم ومواقفهم. وليس من حق أحد أن يحتكر الحديث باسم النقابة أو أن يعتبر مخالفة رأيه خروجاً عن الصف أو تفريطاً في المبادئ.
وإذا كان هناك اعتراض على مشاركة النقيب أو على أي قرار تتخذه النقابة، فهناك مؤسسات تنظيمية وأطر ديمقراطية يمكن اللجوء إليها. أما تحويل كل اختلاف إلى بيان علني ومعركة جديدة، فهو لا يخدم النقابة ولا يعزز وحدتها، بل يضعفها ويمنح الآخرين فرصة للنظر إليها باعتبارها كياناً ممزقاً بصراعات أعضائه.
علينا أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى خصوم، وأن نحترم حق كل زميل في التعبير عن رأيه، حتى وإن كان هذا الرأي على النقيض مما نؤمن به. فالنقابة التي لا تتسع للاختلاف بين أعضائها لن تستطيع الدفاع عن حرية التعبير خارج أسوارها.
اخلعوا نظارات السياسة قليلاً، وانظروا إلى النقابة باعتبارها بيتاً مهنياً يجمعنا، لا منصة لتسجيل المواقف وتوزيع صكوك الوطنية والمهنية.
احترموا اختلافاتكم، ولا تحولوا هذا الاختلاف إلى خلافات تهدم ما بناه الصحفيون بجهدهم ونضالاتهم.
فالنقابة ليست ملكاً لنقيب أو مجلس أو تيار سياسي، وليست ملكاً لمن يرفع صوته أكثر من الآخرين. إنها ملك للصحفيين جميعاً، ومن حق كل عضو فيها أن يجد مكانه وصوته وحقه في الاختلاف.
لسنا بحاجة إلى نقابة تشبه مواقفنا السياسية، بل إلى نقابة تحمي حقنا جميعاً في أن نختلف، وأن نعمل، وأن نمارس مهنتنا بحرية واستقلال.
اختلفوا كما شئتم، عارضوا، انتقدوا، وحاسبوا، لكن تذكروا أن النقابة بيتنا جميعاً، وأن هدم البيت لن ينتصر فيه أحد.. سيخرج الجميع خاسرين.



