المليشيا تؤدي “رقصة المذبوح”.. فبركات “الترس” الملاذ الأخير لتفادي الهزيمة بقلم.. محمد الحسن محمد نور – التايمز نيوز
رأي

المليشيا تؤدي “رقصة المذبوح”.. فبركات “الترس” الملاذ الأخير لتفادي الهزيمة بقلم.. محمد الحسن محمد نور

حملت “الأسافير” مؤخراً منشوراً نُسب إلى الدكتورة أماني الطويل -الباحثة المصرية المعروفة المتخصصة في الشؤون الأفريقية بمركز الأهرام- مصحوباً بصورتها الشخصية. وجاء النص “المنسوب لها” مثقلاً بالإثارة والتهويل، محذراً من “كارثة اقتصادية” و”شبح إفلاس” يهدد الشركات المصرية بسبب نشاط ما سماه المنشور بـ “ترس السودان”. واتهم المنشور صراحة القائمين على “الترس” باتباع تكتيك تعطيل الشاحنات، مما تسبب -حسب ادعائه- في ندرة حادة في اللحوم وارتفاعات خرافية في الأسعار أرهقت المواطن المصري. ولم يتوقف التحريض عند هذا الحد، بل ختم بعبارة تحمل تهديداً مبطناً مفاده: أن الحكومة المصرية ستضطر للتدخل المباشر والجلوس الفوري مع قيادات الترس درءاً للكارثة؛ وهي إشارة خبيثة لـتجاوز الحكومة السودانية، والتعامل مباشرةً مع تنظيمات محلية أو أجسام غير رسمية.
ورغم رداءة إخراج هذا المنشور وسطحيته، إلا أن هناك ضرورة ملحة لتفكيكه ودحضه، تفويتاً للفرصة على المرجفين، وكشفاً لأبعاد هذه الحملة الرقمية التي تأتي كـانعكاس مباشر لمأزق الهزيمة الذي تعيشه المليشيا على الأرض. ففي الوقت الذي يتقدم فيه الجيش السوداني بثبات، مستعيداً خطوطه الاستراتيجية كطريق (الخرطوم – الأبيض)، ومثبتاً سيطرته ميدانياً في شمال كردفان وجبرة الشيخ، يخرج قائد تمرد الدعم السريع بخطاب يائس يمنح فيه عناصره “حرية القرار في المعركة”؛ وهي الصيغة الفصحى للاعتراف بانهيار القيادة والسيطرة، وسقوط التماسك العسكري، والدخول في طور “رقصة المذبوح”.
هذا المأزق الميداني الخانق هو الذي دفع بالمليشيا إلى الهروب نحو غرف الفضاء الرقمي، وفبركة هذا المنشور والترويج له؛ ولعل أول الأدلة على هذا التزييف هو غياب المصدر الرسمي. إن تصريحاً بهذا الحجم، صادراً عن قامة بحجم الدكتورة أماني الطويل ومؤسسة كبرى كـ “الأهرام”، لا يمكن أن يمر دون أن يكون له أي أثر في منصاتهم الرسمية أو حتى المقابلات التلفزيونية للباحثة، بل من البديهي أن موقفاً ينذر بـ “صدام دبلوماسي” كان سيتصدر نشرات الأخبار العالمية. لذا فإن مجرد غيابه عن المنصات الرسمية يعني بالضرورة أن المنشور لا يزيد عن كونه تضليلاً ومحاولة يائسة للوقيعة بين مصر والسودان.
فالمنشور يستبطن إثارة قضية لطالما تبنتها جهات شعبية عدة، ومفادها أن المصريين يسرقون ثروات السودان ويعتمدونها كمصدر أساسي في موازنة الدولة -حسب الزعم الذي صيغ به المنشور- والذي حاول تصوير أن الحكومة المصرية قد امتلكت الشجاعة والجرأة التي جعلتها تصرح على لسان الدكتورة أماني بعزمها التدخل لحسم ما يقوم به “ترس الشمال” وتجاهل سلطة الجيش بقيادة البرهان.
إن لغة التحشيد وعثرات الاصطلاح تفضح الكاتب الحقيقي؛ فمن يتابع كتابات الدكتورة أماني الطويل يعرف أسلوبها التحليلي الهادئ والرصين القائم على البيانات، أما لغة المنشور فهي شعبوية مأزومة تستخدم عبارات مثل (شبح الإفلاس المدمر، شللاً قاتلاً). واللافت هنا هو سقطة الكاتب “المضحكة” حين استخدم تعبير “حكومة الأمر الواقع في بورتسودان”، وهي صيغة عدائية لا تستخدمها أي مؤسسة رسمية مصرية، فضلاً عن أن الدولة المصرية تعترف علناً بالجيش السوداني كمؤسسة شرعية لا غنى عن التعامل معها في ظل الوضع القائم.
إن التعجل والنية المبيتة لتأجيج الخطاب وتعميمه، وربما جهل المبرمجين وصنّاع الفبركة أيضاً، كان السبب في إطلاق اسم “ترس السودان” بدلاً عن “ترس الشمال”، وهو ما يؤكده الاختبار الرقمي الذي يظهر بصمة الحملة الموجهة؛ حيث انتشر النص كنسخة طبق الأصل (Copy-Paste) في عشرات الصفحات في ذات التوقيت وبنفس الأخطاء، مما يؤكد أنها طبخة مصنوعة في غرف التضليل لخدمة أهداف سياسية وعسكرية محددة تخص مليشيا الدعم السريع.
وهنا يجب الفصل بوضوح: بين فضح هذه الفبركة الإعلامية، وبين قراءة واقع العلاقات بين البلدين؛ فهذا المقال إذ يفند الكذب، لا يسعى لتقديم صك براءة مجاني للمواقف المصرية أو الإقليمية، أو يغفل أن المصالح السياسية للدول تتقاطع وتختلف، وأن هناك أطرافاً قد تستفيد موضوعياً من إطالة أمد الحرب بطرق عديدة، ويبقى الحفاظ على مقدرات الشعب السوداني وسيادته رهناً بقدرته ومسؤوليته هو أولاً وأخيراً.
وخلاصة القول، إن هذا المنشور المفبرك والظهور المصور الأخير لقائد المليشيا، وكل ما يدور في هذا الفلك حيث ارتبط “تخبط الميدان” بـ “تخبط الإعلام”، له معنى واحد فقط: أنها “رقصة المذبوح الأخير.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى