هل نملك شجاعة أن نحاور بعضنا قبل أن يفوت الأوان؟ بقلم.. عبدالله عثمان حامد

دلفنا إلى مكتبه ونحن نحمل أسئلة كثيرة أغلبها سمعناه هنا وهناك كلما دار نقاش حول الحوار السوداني السوداني وفرص نجاحه.
جلسنا إلى الأستاذ عثمان ميرغني، الناطق الرسمي باسم لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني، ولم يكن في أذهاننا أن نستمع إلى حديث بروتوكولي عن لجنة جديدة ومهامها، بقدر ما كنا نريد أن نعرف: ماذا نريد من هذا الحوار؟ وإلى أين يمضي بنا ؟ ومن يضمن أن يكون سودانياً بحق؟
سألنا عن اللجنة، عن استقلاليتها، عن الجهات التي تقف خلفها، عن طبيعة دورها، وعن قدرتها على الوصول إلى مكونات المجتمع السوداني المختلفة، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
وسألنا، قبل كل ذلك، عن شيء أهم:
هل يستطيع السودانيون فعلاً أن يتحاوروا؟ فالخلاف في السودان لم يعد خلافاً في الرأي فقط.
لقد تراكمت سنوات من الخصومة، والاستقطاب، وسوء الظن، ثم جاءت الحرب لتضع مزيداً من الحواجز بين السودانيين.
في مثل هذه البيئة، يصبح الحديث عن الحوار سهلاً في الكلمات، بالغ الصعوبة في الواقع.
ما يحسب للناطق الرسمي باسم اللجنة أنه لم يتعامل مع الأسئلة باعتبارها نوعاً من التشكيك الذي يجب الدفاع أمامه، بل ترك مساحة واسعة للنقاش.
لم يبخل بوقته، ولا بالمعلومات التي امتلكها، وذهب معنا في تفاصيل كثيرة تتعلق بعمل اللجنة ورؤيتها والتحديات التي تواجهها.
وبقدر ما كانت الإجابات مهمة، كانت الأسئلة كذلك.لأننا لا نريد حواراً يبدأ بتصديق كل شيء.
نريد حواراً يستطيع أن يتحمل السؤال، والنقد، والاختلاف.
نريد لجنة لا تخشى أن يسأل الناس عن استقلاليتها، بل تعتبر هذا السؤال حقاً أصيلاً للسودانيين.
وربما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حوار سوداني هو أن يتحول إلى اجتماع بين السياسيين، ثم نكتشف في نهايته أن السودان كله كان غائباً.فالسودان ليس أحزاباً فقط.
السودان هو المزارع في الجزيرة، والعامل في الخرطوم، والشاب في القضارف، والمرأة التي تحملت عبء الحرب، والنازح الذي ينتظر العودة، والطبيب والمعلم والمهندس والطالب، والإدارة الأهلية، والشباب، والمجتمع المدني، وكل مواطن يريد أن يعرف: ماذا سيكون شكل السودان غداً؟
الحوار الذي لا يصل إلى هؤلاء، ولا يسمع أصواتهم، سيظل حواراً ناقصاً مهما كانت أسماء المشاركين فيه كبيرة.
لذلك أعتقد أن التحدي الحقيقي أمام لجنة تهيئة الحوار ليس جمع الأطراف وانما التحدي الحقيقي هو بناء الثقة.والثقة في السودان اليوم عملة نادرة.لذلك لن تكفي الشعارات، ولن تكفي البيانات، ولن يكفي أن نقول إن الحوار سوداني سوداني.المطلوب أن يشعر السودانيون بذلك في الممارسة.
أن يروا عدالة في الاستماع إلى الأطراف.وأن يشعر المواطن البسيط أن صوته ليس أقل قيمة من صوت السياسي أو صاحب النفوذ.
الأمل في الحوار لا يعني أن نتوقف عن طرح الأسئلة.
والترحيب بأي جهد نحو السلام لا يعني منح أحد شيكاً على بياض.
بل ربما يكون أفضل ما يمكن أن نقدمه للحوار هو أن نراقبه، ونسأل عنه، وننتقده عندما يحيد، فالحوار الذي يخاف من النقد لا يمكن أن يصنع دولة تتسع للاختلاف.
السودان يحتاج إلى لحظة شجاعة
بعد كل هذا الدم، وكل هذه الخسارات،
والآن نحن بحاجة إلى انتصار من نوع آخر.
انتصار الدولة على الفوضى.
انتصار العقل على الغضب.
وانتصار السودان على كل الحسابات الصغيرة.
لا أعرف إن كانت لجنة تهيئة الحوار السوداني السوداني ستنجح في مهمتها.ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يضمن ذلك الآن.
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
ليس أمام السودان طريق سهل.
والحوار، مهما كثر الحديث حوله، يظل أفضل من أن يستمر السودانيون في الحديث عن بعضهم عبر البيانات، ومنصات التواصل.
نريد حواراً لا يبحث عن غالب ومغلوب.
نريد حواراً لا يعيد إنتاج الأزمة في ثوب جديد.
نريد حواراً لا يكون فيه السودان غنيمة يتقاسمها المتخاصمون.
نريد حواراً يقول فيه الجميع شيئاً واحداً:
اختلفنا كثيراً.. وخسرنا كثيراً.. وحان الوقت لنجلس ونبحث عن وطن يتسع لنا جميعاً.
تلك هي آمالنا.
وفي تقديري، تلك هي الفرصة التي لا ينبغي للسودانيين أن يضيّعوها مرة أخرى.



